كيف يتشكل شرق أوسط جديد خارج الإرادة الأميركية؟!
كتب / قاسم الغراوي
لم يكن ما جرى في المنطقة خلال السنوات الأخيرة مجرد تصعيد عابر، بل كان محاولة مدروسة لإعادة هندسة الشرق الأوسط وفق رؤية الولايات المتحدة وإلكيان الصهيوني .
غير أن المفارقة الكبرى اليوم، أن هذا المشروع نفسه بدأ يتصدّع من داخله، وأن الفخ الذي نُصب لإخضاع المنطقة، أخذ يرتدّ على صانعيه.
من العراق إلى غزة، ومن مضيق هرمز إلى جنوب لبنان، والى مضيق المندب واليمن المقاوم لم تعد نتائج القوة العسكرية محسومة كما كانت في السابق ، فبدلاً من شرق أوسط “مُطوّع”، تتشكل ملامح منطقة أكثر تعقيداً، وأشد مقاومة للهيمنة.
حينما راهنت واشنطن على أن الضغط الأقصى سيؤدي إلى تفكيك مراكز القوة المناوئة في المنطقة ، وأن الحروب السريعة والاغتيالات ستُعيد رسم الخرائط السياسية ، لكن ما حدث هو العكس تماماً. فهذه الرهانات سقطت على صخرة الواقع والمقاومة من قبل ايران والمقاومة في العراق ولبنان واليمن .
ففي العراق، لم تؤدِّ سنوات الحرب إلى إنهاء دور القوى المحلية الفاعلة، بل ساهمت في صعودها وكذلك في لبنان، بقي حزب الله لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوزه ،وأما في فلسطين، فبقيت غزة نقطة اشتباك مفتوحة تثبت أن التفوق العسكري لا يعني الحسم السياسي ولازال الحوثيون يتحكمون في المشهد الجيو سياسي لما ابدوه من مقاومة شرسة وقوة فاعلة مؤثرة امام الكيان الغاصب وعدوان امريكا.
أحد أبرز ملامح الشرق الأوسط الجديد هو انتقال مركز الثقل من الجيوش التقليدية إلى “شبكات القوة” العابرة للحدود.
فقوى مثل الحشد الشعبي لم تعد مجرد تشكيلات عسكرية، بل تحولت إلى عناصر مؤثرة في المعادلة السياسية والأمنية لذا بدات المؤامرات الدولية والتصريحات الاقليمية تستهدفها وتنال من وجودها هذه التحولات في القوة من الجيوش إلى الشبكات افرزتها التحديات الارهابية صنيعة امريكا والصهيونية فكانت ضرورة حتمية لمواجهة هذه التحديات .
هذه التحولات أربكت الحسابات التقليدية، لأن المواجهة لم تعد بين دولتين فقط، بل بين منظومات متداخلة يصعب تفكيكها أو احتواؤها بالوسائل الكلاسيكية.
في قلب هذه التحولات يقف العراق، لا بوصفه ساحة صراع فقط، بل كمؤشر على شكل المرحلة القادمة ، فالعمليات المسلحة التي لا تهدأ تعكس حقيقة واحدة وهي أن الصراع لم يُحسم، وأن أدواته تتغير باستمرار والعراق اليوم ساحة الاختبار الكبيرة وهذه الحقيقة تعبّر عن رفض للهيمنة الخارجية.
النتيجة الأبرز اليوم أن المنطقة تتجه نحو نظام بلا مركز قيادة واحد اذ لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض قواعد اللعبة منفردة، كما لم يتمكن الكيان الصهيوني من تحقيق تفوق يترجم إلى استقرار دائم ، وفي المقابل، تتقدم قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين وايران لملء الفراغ، ما يجعل المنطقة أقرب إلى ساحة توازنات معقدة بدل نظام أحادي.
“الشرق الأوسط الجديد” لم يولد كما خُطط له، بل يتشكل الآن عبر صراع الإرادات. لا غالب مطلق، ولا مهزوم نهائي، بل معادلة مفتوحة على احتمالات متعددة.
أما الفخ الأكبر، فهو الاعتقاد بأن القوة وحدها قادرة على رسم المستقبل. فالتجربة أثبتت أن ما يُفرض بالقوة، يمكن أن ينقلب عليها… وربما هذه هي القاعدة التي تحكم المرحلة القادمة وان خارطة التوازنات والقوة ستتغير بفعل وجود لاعبين سيرسمون خارطة جديدة بعيدا عن الهيمنة الامريكية وخطط الكيان الصهيوني التوسعية التي لم تتحقق .