ألواح طينية رجاحة العقل مهدي نهاية المطاف
القاضي حسين محمد المهدي ||
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
ليس كلُّ رحيلٍ غيابًا، ولا كلُّ موتٍ فناءً؛ فثمّة رجالٌ إذا مضَوا بقيت آثارُهم حيّةً في ضمائر الأمّة، تنبضُ بما زرعوه من فكرٍ، وتُضيءُ بما خلّفوه من مواقف. وهكذا يرحل العظماء، لا يُطوِيهم التراب؛ بل يزدادون حضورًا في الوجدان، ويتحوّلون إلى معالم هدايةٍ في دروبٍ طالها التيه.
{وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ}
لقد كان القائد علي لاريجاني نموذجًا للرجل الذي جمع بين رجاحة العقل وصلابة الموقف، فكان في ميادين السياسة صوتًا للحكمة حين يعلو الضجيج، وميزانًا للعدل حين تختلُّ الموازين. لم يكن حضوره عابرًا، بل كان امتدادًا لفكرةٍ تؤمن بأنّ الكرامة لا تُشترى، وأنّ المبادئ لا تُساوَم، وأنّ القضايا الكبرى لا يحملها إلا من تجرّد لها. ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألا اخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله … حتى يأتيه الموت، وا إن من شر الناس رجلا يقرأ كتاب الله لا يرعوي بشيء منه. أخرجه النسائي.
إن شخصية علي لاريجاني تمثل نمطا من القيادة، التي تراهن على السير في درب المجاهدين، الذين يعملون في سبيل الله بوعي وثبات، ولئن قتل غدرا من قبل الصهيونية وهو ماض في جهاده واجتهاده، من أجل تحرير فلسطين والأقصى الشريف، وذلك شرف له ولإيران الإسلامية وللأمة جميعاً، ففي الحديث النبوي الشريف ” لأن أُقتل في سبيل الله أحب إليَّ من أن يكون لي أهل المدر والوبر” أي: أهل الحواضر والبوادي. أخرجه النسائي.
وحين جاءت أم خلاد تسأل عن ابنها قتل في سبيل الله، فقالت إن أرزأ ابني فلن أرزأ حيائي، فقال لها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إن ابنك له أجر شهيدين، فقالت ولم؟ قال: لأنه قتله أهل الكتاب” أخرجه أبو داود. وفي هذا الحديث إشارة إلى وجوب قتال أهل الكتاب إن لم يرضخوا لأوامر الله لأن الله يضاعف أجر من قاتلهم، فليس الجهاد للمشركين فقط، ولكن لكل من لم يسلم أو يجنح للسلم.
وفي زمنٍ تكثر فيه التقلّبات يتبين أن لاريجاني كان ثابتًا كالجبل، لا تُزحزحه العواصف، ولا تُغريه بوارق الزيف. حمل همّ الأمة بوعيٍ عميق، وأدرك أنّ معركة الوعي لا تقلّ خطورةً عن معارك الميدان، فكان من أهل البصيرة الذين ينظرون إلى ما وراء اللحظة، ويقرؤون المستقبل بعين المسؤولية.
أفي كلِّ يومٍ يُنتقى المجدُ للفِنا ويُطفأُ نجمٌ في العُلا المتوقِّدِ؟
كأنَّ الليالي، وهي تُسدلُ سترَها تُعادي ذوي العلياءِ قصدًا وتَعتدي
فيا لاريجاني الصدق ، قد كنتَ قمّةً تُرى، وبها يُقضى إلى كلِّ مقصِدِ
مضيتَ، ولكنْ خلفك المجدَ شاهدًا بأنّكَ لم تُخلَقْ لعيشٍ مُبدَّدِ
حملتَ لواءَ الفكرِ، لم تَخْشَ عاصفًا ولم تخش صهيونا ولم تتبلدد
رأيتَ بعينِ العقلِ ما خفيَ الورى فكنتَ هُدى الرأيِ السديدِ المُسدَّدِ
إذا ما دجى ليلُ السياسةِ مرّةً رأيناكَ بدرًا في الظلامِ المُمدَّدِ
تُقوِّمُ ميلَ الدهرِ إن جارَ حكمُهُ وتبني صروحَ الحقِّ فوقَ المُهدَّدِ
فما ماتَ من أبقى المآثرَ خالدًا ولا غابَ من في كلِّ قلبٍ مُشيَّدِ
سيذكُرُكَ التاريخُ فخرًا وعزّةً ويُثبتُ أنّ العزمَ غيرُ مُقيَّدِ
فإن غبتَ عن عينِ الحياةِ فإنّما بقيتَ بنبضِ الحقِّ غيرَ مُبدَّدِ
سلامٌ على روحٍ تسامَتْ منارَةً تُضيءُ سبيلَ المجدِ غيرَ مُردَّدِ
جزاكَ إلهُ العرشِ خيرَ مثوبةٍ ** بها في جنان الخلد تبقى مخلد
إنّ فقدان القامات الكبيرة ليس خسارةً لأوطانها فحسب، بل هو فراغٌ في مسار القيم، إذ تغيب معه نماذج يُحتذى بها في الصدق والإخلاص والثبات. غير أنّ العزاء كلّ العزاء، أنّ أمثال هؤلاء لا يموتون حقًا؛ لأنّ ما زرعوه في العقول والقلوب يظلُّ حيًّا، يتوارثه الأجيال، ويُعيد إنتاج ذاته في صورٍ جديدة.
وإنَّ رجالَ المجدِ تُخلِّدُ ذكرَهُم صنائعُهمْ، لا عيشُ يومٍ مُبدَّدِ
إذا ماتَ مَن أحيا المبادئَ شامخًا فإنَّ بقاءَ الذكرِ خيرُ مُخلَّدِ
فلا تحسبوا أنَّ الرُّفاتَ نهايةٌ فكمْ من عظيمٍ في الترابِ مُسيَّدِ
يعيشُ بما قدَّمْتَ من نورِ هِمَّةٍ ويُبعثُ في وجدانِ شعبٍ مُؤيَّدِ
فيا راحلًا، والمجدُ يشهدُ أنّهُ بفقدِكَ بعضُ الدهرِ غيرُ مُجدَّدِ
نمِ الآنَ قريرَ العينِ، إنَّ جهادكم ستبقى لواءَ الحقِّ غيرَ مُفنَّدِ
سلامٌ عليكَ الدهرَ ما لاحَ بارقٌ ** وما رُدِّدَ التاريخُ اسمَ مُخلَّدِ
إنّ الشهادة — بمعناها الواسع — ليست نهاية المطاف، بل بداية خلودٍ من نوعٍ آخر؛ خلودٍ تُسطّره المواقف، وتُخلّده التضحيات، ويشهد عليه التاريخ. وما أصدق القول: إنّ الرجال يُعرفون بما قدّموا، لا بما قالوا، وبما ثبتوا عليه، لا بما تبدّلوا عنه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}.
إن إقدام الصهيونية على اغتيال علي لاريجاني ورفقاه لن يكسر عزيمة المجاهدين في إيران، بل يزيدها وهجاً وقوة،
فاستشهاد لاريجاني الذي كان يؤدي واجبه بحكمة وشجاعة سيعجل يوم النصر وتتحرر القدس، وتنال الأمة بدماء هؤلاء الشهداء ماتصبو إليه من عزة وكرامة، وستبقى المسيرة القرآنية في يمن الإيمان والحكمة وفي محور المقاومة منارة للعزة والكرامة يقتدى بها وحفظ الله قائدها.
رحم الله هذا القائد، وجزاه عن أمّته خير الجزاء، وألهم محبّيه الصبر والسلوان، وجعل سيرته منارًا لكلّ من أراد أن يسلك درب الحقّ، مهما اشتدّت التحديات، وعظُمت التضحيات.