كاميرات وصواريخ..!
كتب / عبد الزهرة محمد الهنداوي …
في زمن الحرب، حين تعلو أصوات الصواريخ على أصوات العقل، تصبح الحقيقة أكثر الأشياء عرضةً للخطر والضياع، وتغدو الصحافة خطَّ الدفاع الأخير عنها.
فالصحفي الذي يحمل قلمه أو كاميرته في الميدان لا يقاتل في الجبهات، لكنه يقف في قلب الخطر، لأنه يسعى إلى نقل ما يحدث كما هو، لا كما يريد المتحاربون أن يُروى.
ومع اشتداد الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، واتساع رقعتها، تتضح أكثر من أي وقت مضى خطورة الدور الذي يؤديه الصحفيون في كشف الوقائع ونقلها إلى الرأي العام. فهذه الحرب لا تُخاض بالصواريخ والطائرات فقط، بل تُخاض أيضاً في ميدان الرواية الإعلامية، حيث يسعى الاحتلال الإسرائيلي ومعه الولايات المتحدة إلى فرض روايتهما الخاصة للأحداث، وهي رواية تقوم في كثير من الأحيان على طمس الحقائق أو تشويهها.
لكن ما حدث مؤخراً في لبنان يطرح سؤالاً مؤلماً حول مصير الصحافة في زمن النزاعات. فقد استشهد ثلاثة من الصحفيين اللبنانيين أثناء قيامهم بواجبهم المهني في تغطية التطورات الميدانية في الجنوب اللبناني: مراسل قناة المنار الزميل الشهيد علي شعيب، ومراسلة قناة الميادين الزميلة الشهيدة فاطمة فتوني، ومصورها الزميل الشهيد محمد فتوني، ثم يعلن الصهاينة بكل قبح انهم قضوا على الصحفيين وكأنهم يفتخرون بهذا الفعل الشنيع!
ان استشهاد الصحفيين اللبنانيين، يعيد إلى الواجهة حقيقة قاسية مفادها أن الصحفي بات في كثير من الحروب هدفاً محتملاً، لا مجرد شاهد على ما يجري، فحين تعجز القوة عن إخفاء الوقائع في الميدان، تحاول إسكات من ينقلها إلى العالم.
إن استهداف الصحفيين لا يمثل اعتداءً على أفرادٍ بعينهم فحسب، بل هو اعتداء على حق المجتمع في المعرفة، فالقوانين الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة تعدّ الصحفيين مدنيين ينبغي حمايتهم في مناطق النزاع، لأن مهمتهم الأساسية هي نقل الحقيقة وتوثيق الأحداث.
وفي خضم الحروب المتسارعة تصبح المعلومة سلاحاً بحد ذاتها، فهناك من يسعى إلى حجب الوقائع، أو تضخيمها، أو إعادة صياغتها بما يخدم أهدافه السياسية والعسكرية، وهنا تبرز أهمية الصحافة المهنية التي تلتزم التدقيق والتوازن، بعيداً عن الانجرار إلى الدعاية أو الشائعات.
إن الحروب قد تنتهي يوماً، وتُطوى صفحاتها في كتب التاريخ، لكن ما يبقى منها هو ما حفظته الذاكرة وما وثّقته الكاميرات وما كتبته الأقلام، ولهذا فإن حماية الصحافة ليست مجرد قضية مهنية، بل دفاع عن ذاكرة الشعوب وحقها في معرفة الحقيقة.
فحين يسقط صحفي في الميدان، لا يسقط فردٌ فحسب، بل يُصاب ضمير العالم كله، وحين تُستهدف الكاميرا، فالمقصود ليس العدسة، بل الحقيقة التي تكشفها.
ولهذا تبقى حرمة الصحافة في زمن الحرب اختباراً أخلاقياً للعالم كله، فإما أن تُصان الكلمة الحرة وتُحترم دماء من يحملونها، وإما أن تتحول الحروب إلى ظلامٍ كامل، تُكتب فيه الوقائع بمداد القوة لا بصدق الحقيقة.