بين تهوّر القيادة الأميركية وصمت الإقليم العربي والإسلامي بكامله..!
كتب / أسماعيل النجار
يبقى السؤال عن الوحدة العربية والإسلامية الغائبة ومآلاتها.
.في مرحلة تتكاثف فيها الأزمات الدولية، يبرز دونالد ترامب كنموذج لقيادة صدامية تُدير السياسة الخارجية بعقلية الاستعراض والضغط الأقصى. يطلق خطابات التهديد بالجملة، ويُوسيع ساحات الاشتباك السياسي والعسكري بلا حدود، ويمنح حكومة اليمين الإسرائيلي تفويضًا مفتوحًا بالقصف والقتل وإحتلال أراضي الغير،
كلّها عناصر أسهمت في دفع المنطقة نحو حافة فوضى أوسع. في هذا السياق، بدا بنيامين نتنياهو وكأنه المستفيد الأكبر من هذا الغطاء، فمضت حكومته في تسريع الاستيطان، وتكريس الوقائع على الأرض، وتوسيع منسوب التهديد لدول الجوار، بلا كوابح دولية تُذكر.
.الأخطر من ذلك ليس ارتفاع منسوب التهديدات بحدّ ذاتها، بل الصمت الإقليمي والدولي حيال خطاب تحريضي يصدر من شخصيات محسوبة على دوائر التأثير في تل أبيب”ك” “إيدي كوهين”، يتوعد دولًا عربية وإسلامية من سوريا ولبنان والعراق وإيران، وصولًا إلى الأردن والسعودية وتركيا. هذا الصمت، الذي يشي بعجز أو تواطؤ أو حسابات ضيقة، يفتح الباب أمام سؤال جوهري لماذا لم تتشكّل حتى الآن جبهة إقليمية وازنة قادرة على كبح هذا المسار؟ لماذا لم تتحد مصر وتركيا وإيران وباكستان بثقلهم الشعبي والسياسي والعسكري؟
.الحديث عن وحدة مصر وتركيا وإيران وباكستان ليس ترفًا نظريًا، بل طرحٌ استراتيجي له جذور تاريخية وإمكانات واقعية. غير أن العوائق متعددة أولها التباينات في الرؤية والمصالح؟ لأن لكل دولة أولويات أمنية واقتصادية مختلفة، وتقديرات متباينة لطبيعة الخطر وسبل مواجهته.
إرث الخلافات السياسية يلعب دوراً مهماً في عدم التقارب! زعامة الإتحاد تكون معضلة يصعب حلها؟ جميعها تراكمات سنوات من التوتر وعدم الثقة، خصوصًا بين بعض هذه العواصم.
الضغوط الدولية تلعب دوراً بارزاً وخضوع بعض القيادات للنفوذ الأميركي! ونفوذ واشنطن وشبكة تحالفاتها وعقوباتها تجعل أي تقارب عميق مكلفًا على المدى القصير.
الانقسام داخل الإقليم دوره كبير جداً، والاصطفافات الحادة التي تُضعف القدرة على بناء موقف جامع.
ومع ذلك، فإن غياب الوحدة لا يلغي حقيقة أن هذه الدول الأربع تمتلك، مجتمعةً، ثِقَلًا سكانيًا واقتصاديًا وعسكريًا وجيوسياسيًا قادرًا على إعادة التوازن إلى المنطقة.
.فماذا لو حصلت الوحدة؟
لو افترضنا قيام إطار تنسيقي فعّال سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا بين القاهرة وأنقرة وطهران وإسلام آباد، فإن النتائج المحتملة ستكون عميقة
ردع استراتيجي وتوحيد المواقف يُقلّص هامش المناورة الإسرائيلية ويضع حدودًا لأي توسّع أو عدوان.
تحجيم الهيمنة الصهيونية ووضع حَد للنفوذ الأميركي القائم على تفكيك المواقف كل هذا سيتآكل أمام كتلة متماسكة تملك بدائل وأسواقًا وطرق إمداد.
.أيضاً إحياء القضية الفلسطينية. سيتم انتقالها من ملف إنساني إلى قضية سياسية ذات سند إقليمي صلب.
وفرض استقرار أوسع لآسيا عبر ربط شرق المتوسط بجنوب وغرب آسيا ضمن معادلة تعاون بدل صراع.
هل يبقى النفوذ الأميركي على حاله؟
.النفوذ الأميركي لا يزول بين ليلة وضحاها، لكنه سيتغير شكله. في حال قيام هذه الوحدة، سيتحوّل من نفوذ مُطلق إلى نفوذ مُتفاوض عليه، تُعاد صياغته وفق توازنات جديدة. واشنطن بارعة في إدارة التحالفات، لكنها أقل قدرة على فرض الإملاءات حين تواجه تكتلًا إقليميًا متماسكًا يمتلك خيارات مستقلة.
.المشكلة ليست في غياب القدرة، بل في غياب الإرادة السياسية الجامعة. المنطقة تدفع ثمن التفكك، فيما يستثمر الآخرون هذا الشرخ لتكريس وقائع جديدة. إن وحدة مصر وتركيا وإيران وباكستان حتى بصيغتها الدنيا كفيلة بإعادة ضبط البوصلة، وكسر منطق العربدة السياسية، ووضع حدّ لسياسات تبيع الاستقرار مقابل مكاسب آنية. قد تكون هذه الوحدة بعيدة المنال اليوم، لكنها تبقى الخيار الوحيد القادر على تحويل الخسائر المتراكمة إلى فرصة تاريخية لإعادة التوازن والكرامة للمنطقة وآسيا برمتها.
أحببت أن أضع أمامكم خيارين ولكني أحلَم.