الذكاء الاصطناعي والإنسان المستقبلي
كتب / د.عامر ملوكا
نعيش اليوم في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا بشكل لا يشبه ما عرفته البشرية من قبل. أصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من واقعنا، يدخل بيوتنا وأعمالنا وقراراتنا اليومية، حتى بات السؤال الذي يشغل الكثيرين: ما مكان الإنسان في هذا العالم الجديد؟ وهل ما نصنعه سيبقى في خدمتنا، أم سيتجاوزنا وربما ينسينا؟
لقد صار الذكاء الاصطناعي قادرا على تنفيذ مهام معقدة بسرعة تفوق قدرة الإنسان، مما جعل الكثير من الأعمال أكثر دقة وسهولة وأقل عرضة للأخطاء. فهو يساعد الأطباء على تشخيص الأمراض في بداياتها، ويمنح المرضى علاجا أقرب إلى طبيعتهم الفردية. ويسهّل حياتنا اليومية من خلال التطبيقات والمساعدات الصوتية وتنظيم الوقت وإدارة التفاصيل الصغيرة التي تستهلك جهد الإنسان. وحتى في التعليم، أصبح الذكاء الاصطناعي يفهم اختلاف قدرات الطلاب، ويمنح كل واحد منهم ما يناسبه، وكأن كل طالب بات يمتلك معلّما خاصا.
غير أن هذا النمو المذهل لا يأتي من دون أثر جانبي. فالكثير من الوظائف التقليدية بدأت تختفي لأن الالة أصبحت تؤديها بكفاءة أعلى. وقد يشعر البعض بأنهم خارج السباق، لأن التطور التقني أسرع من قدرتهم على التكيّف. كما أن اعتماد الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات الهائلة يفتح الباب لأسئلة صعبة تتعلق بالخصوصية، من يحق له الوصول للمعلومات، ومن يحدد ما يجوز معرفته وما يجب إخفاؤه؟ ومع هذا يظهر خوف آخر: ماذا لو أصبح للآلة دور يتجاوز التنفيذ إلى اتخاذ القرار؟ هل يمكن للإنسان أن يظل المتحكم إذا وصلت الالة إلى مستوى عال من التعلم الذاتي؟
وهنا يظهر البعد الديني والروحي بقوة. كثيرون يتساءلون: هل يمكن لالة أن تمتلك شيئا يشبه الروح؟ الدين يقول إن الإنسان مكرّم بروح لا يمكن أن تبرمج أو تنسخ. فالروح ليست عقلا ولا قدرة على الحساب، بل هي جوهر لا يخضع لقوانين المادة. ولذلك، فائن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ، يبقى انعكاسا لما نضعه نحن فيه. إن زرعنا فيه حكمة وتعاطفا ووعيًا بخدمة الإنسان، سيعمل لخدمة الخير. وإن غذيناه بتحيز أو جشع أو رغبة في السيطرة، فسيرد ذلك إلينا مضاعفا.
إن مستقبل العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي لا يحدده التطور التقني وحده، بل يحدده الإنسان نفسه. فالتكنولوجيا ليست قوة مستقلة، بل أداة تنتظر من يوجهها. ويمكن أن تكون وسيلة لرفع معاناة المرضى، وتوسيع المعرفة، وتسهيل الحياة، وفتح أبواب لا يمكن اليوم تصورها. ولكنها قد تصبح عامل تفكك وفقدان للهوية، إذا نسي الإنسان أن قيمته لا تأتي فقط من قدرته على العمل أو الفهم، بل من إنسانيته وروحه وضميره.
إن التوازن هو الأساس. أن نتقدم في العلم دون أن نفقد البوصلة الأخلاقية. أن نستفيد من الذكاء الاصطناعي دون أن نسمح له أن يفصلنا عن أنفسنا وعن بعضنا. أن نذكر أنفسنا دائما بأن الإنسان لا يقاس فقط بما يعرف، بل بما يختار. عندما نتأمل في أثر الذكاء الاصطناعي على حياتنا، ندرك أن المعرفة وحدها لم تعد كافية لتمييز الإنسان، فالمعلومات باتت متاحة وموزعة بين الآلات والبرامج. غير أن ما يظل جوهريا هو القدرة على الاختيار. فالآلة قد تحلل وتقرر بناء على خوارزميات ثابتة، أما الإنسان فتميزه حرية الإرادة، والقدرة على تقييم المعنى والقيمة والأثر الأخلاقي قبل الفعل. لذلك، لابد أن نذكر أنفسنا دائمًا بأن الإنسان لا يقاس فقط بما يعرف، بل بما يختار فعله بتلك المعرفة. فالمستقبل لن تحدده التقنيات وحدها، بل ضمير الإنسان الذي يوجّهها.
المستقبل ليس مكتوبا مسبقا. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون امتدادا لجمال الإنسان وقدرته على الابداع، إن ظل القلب حاضرا في يد تمسك بالتقنية. أما إذا غاب القلب، فستصبح المعرفة مجرّد الة بلا معنى.