لماذا تشكل الرواتب في العراق هموما للحكومات ؟!
كتب / د. باسل عباس خضير …
في العراق تشكل الرواتب هما كبيرا للحكومات ، و رغم إن بلدنا ليس الوحيد في العالم الذي فيه موظفون حكوميون ، وان عددهم ليس الأعلى عالميا من حيث نسبتهم إلى السكان ، إلا إن هذا الهم متوارث وموجود ، واستنادا إلى تقديرات فان عدد الموظفين 4,5 مليون ونسبتهم 11 % من مجموع السكان ، وهي نسبة أعلى من بعض الدول ( البحرين 10 % ، الأردن 9 % ، عمان 8 % ، لبنان 7 % ، تونس 6 % ، المغرب 5 % ) ، ولكنها اقل من دول أخرى ( السعودية 19 % ، الإمارات 15 % ، الكويت 14 % ، قطر 12 % ، النرويج 30 % ، ، السويد 28.6 % ، فنلندا 24.9 % ، فرنسا 21.4 % ، المملكة المتحدة 16.4 % ، 15.7 % ) ، والمفروض بدولة متعددة الموارد وبعدد سكانها وبمساحتها الواسعة ، أن يكون العدد المتزايد من العاملين الحكوميين علامة ايجابية في دعم الاقتصاد وسيادة الأمن والاستقرار الاجتماعي وتنامي الشعور الوطني ، إلا انه كان ولا يزال يشكل عبئا تتوارثه الحكومات التي تعلن باستمرار بعدم القدرة على دفع نفقات الرواتب بشكل منتظم ومريح ، ويعود ذلك لمجموعة أسباب :
أولها : إن النفقات التي تدفع شهريا لا يقابلها ما يساويها من إيرادات ، فنفقاتهم ليست كبيرة قياسا بما تدفعه العديد من الدول ، إلا أنها لا تناسب اقتصاد ريعيي يعتمد على إيرادات النفط ، وغالبا ما يتم الخلط بين الرواتب والمدفوعات الأخرى للمتقاعدين والحماية الاجتماعية ، حيث تستحوذ بمجملها على 80% من الإيرادات السنوية في بلد يعتمد على الإنفاق الحكومي لحد كبير في توفير المتطلبات والخدمات .
ثانيا : إن عدد الموظفين يزداد رغم سعي الحكومة لإيقاف التعيينات و الحد من الزيادة بعدد العاملين ، وتلك الزيادة لا تتم على وفق الاحتياج الفعلي وإنما بموجب تشريعات ملزمة او للترضية الاجتماعية والسياسية وغيرها ، وفي سنوات الموازنة الثلاثية 2023 2024 2025 وقبلها بقليل تم تعيين أكثر من 1,2 مليون موظف من تحويل العقود وحملة الشهادات والتعيينات ، ولكثرة عددهم فان بعضهم يتقاضى راتبه دون إن يرتبط ذلك بما يقضيه من ساعات العمل و بما ينتجه من مردود لان التعيين لم يتم بحساب اقتصادي .
ثالثا : هناك تباين واضح في دخل الموظفين بسبب هيكل القوى العاملة ، فعددهم في الدرجات العليا أكثر من 6000 ، و في المستويات الأخرى تتفاوت نسبتهم حسب الدرجات ( الدرجة الأولى 1.26% ، الثانية 3.75%، الثالثة 3.46%، الرابعة 6.84%، الخامسة 8.81%، السادسة 11.56%، السابعة 19.46% ، الثامنة 14.14% ، التاسعة 12.86% ،العاشرة 17.71% ) ولكل درجة قدر معين من الرواتب .
رابعا : تسود حالة من ضعف الرضا لدى نسبة كبيرة من العاملين لشعورهم بعدم العدالة فيما يتقاضوه ، ويعود ذلك لوجود قوانين خاصة تحكم عمل بعض الهيئات والوزارات ، مما يترتب عنها امتيازات تضاف للحدود الوظيفية ، فضلا غن وجود أنظمة للحوافز والأرباح وامتيازات مادية ومعنوية لا يتمتع بها الجميع .
خامسا : انتشار ظاهرة الرواتب المزدوجة ، فهناك عاملون براتبين او أكثر أما لجوازها بتشريعات نافذة او الحصول عليها من خلال المكان الذي يعملون فيه ، كما إن هناك ازدواج واضح بين العمل في القطاع الحكومي والأهلي بهدف الحصول على ما يمكن من دخل ، ويتم ذلك رغم وجود نصوص قانونية تمنع الجمع بين وظيفتين او العمل خارج أوقات الدوام .
سادسا : وجود تشريعات تمنح امتيازات مخصصة لفئات معينة ، ولكن هذه الامتيازات يتم أعمامها على أكثر من المحدود ، والتمتع بها يتحول لحقوق لا يمكن التنازل عنها فيما بعد ، ومنها مخصصات الخطورة و المخصصات المهنية للمهندسين والمحاسبين والقانونيين وبقية المهن ، و حتى مخصصات الخدمة الجامعية التي هي مخصصة للعاملين في قطاع التعليم العالي باتت تمنح للعاملين في عدد من الوزارات .
سابعا : الشعور بضعف الدخل دفع البعض للحصول على امتيازات وظيفية تزيد من النفقات ، فقد اخذوا يبحثون على ما يمكن ولوجه وبعضهم يتشبثون للنقل للوزارات ( أم الخبزة ) ، وبسببه ( مثلا ) ازداد التنافس على الدراسات العليا داخل وخارج البلاد ومن مختلف المصادر خارج الاحتياج ، ولا عجب حين نسمع بان عدد حملة الدكتوراه في وزارة التربية بحدود 70 ألف رغم إنها معنية بالتعليم الابتدائي والثانوي .
ثامنا : وجود تشريعات تزيد الإنفاق العام تحت غطاء تقليص التكاليف ، فقوانين الموازنة الاتحادية تسمح للموظفين التمتع بإجازة لمدة خمس سنوات تقاعدية براتب اسمي ، كما إن القانون 26 لسنة 2019 يجيز للموظف الذي لديه خدمة 15 سنة الخروج للتقاعد بسن 45 سنة ، و ذلك مكلف لان المتقاعد بهذا العمر سيتقاضى رواتب لسنين طويلة من سن 45 ولحين زوال الأعذار ، والرواتب تحسب على أساس الحد الأدنى للمتقاعدين التي هي أعلى من الاستحقاق الفعلي .
تاسعا : إن نصف عدد المتقاعدين ( تقريبا ) البالغ عددهم 3 ملايين ، منحوا رواتب تقاعدية ليس لأسباب وظيفية وتتعلق بمدة الخدمة وإنما تطبيقا لتشريعات او بالاستثناء ، ويتم صرف رواتبهم من الموازنة الاتحادية وليس من صندوق التقاعد لأنهم لم يدفعوا التوقيفات التقاعدية .
عاشرا : يضاف لكل ذلك النفقات الواجبة بموجب قانون الحماية الاجتماعية الذي يدفع لمن لا راتب له من ذوي الاحتياجات الخاصة ومعدومي الدخل حتى وان كانوا من الشباب ، ولفئات أخرى من الأرامل والمطلقات وغيرهم وعددهم بحدود 2 المليونين ، ويترتب عنها مبالغ واجبة الدفع من الموازنة الاتحادية .
وان وجود 9.5 ملايين عراقي ( يشكلون 20% من سكان العراق ) ، يعتمدون في معيشتهم على الدولة ( موظفون ومتقاعدون و الرعاية الاجتماعية ) ويتقاضون رواتب شهرية بشكل مستمر ، يشكل بالفعل حرجا لأي من الحكومات في ظل اقتصاد لم ينمو بالنمو الذي تنمو فيه النفقات او من حيث تنوع مصادر الدخل الإجمالي ، فالإيرادات النفطية لم تعد قادرة على التصدي للمتغيرات المتعلقة بهذه النفقات وما سيترتب عليها من العلاوة والترفيع والشمول بامتيازات ، وفي واقعها الحاضر والمستقبلي سوف لم يكون بالمقدور تغطية 90 تريليون تدفع كمرتبات كل عام ، فالإيرادات ترتبط بحجم الصادرات المقيدة باتفاقات اوبك ومقدار الأسعار ذات الصلة باليات السوق الذي لا يمكن السيطرة عليه ، وتلك الأمور كانت و لا تزال هما للحكومات لم تستطع معالجته واضطرها للقروض والديون ، ورغم ذلك يأمل البعض التصدي لها من قبل الحكومة التي على وشك الولادة في قادم الأيام ، فهل ستكون حكومة قادرة على المعالجة ومغادرة الهموم بوسائل مبتكرة تعالج الحال ولا ترهق كاهل ممن يجب أن يتوفر لهم العيش الكريم والرغيد في بلد الخيرات ؟! .