برلمان بلا سقف إنفاق… هل يستحق الأغلى في العالم هذا الأداء؟!
كتب / قاسم الغراوي...
حين يُذكر الهدر المالي في الدول الريعية، يتقدّم البرلمان العراقي إلى الصدارة بوصفه أغلى برلمان في العالم من حيث الكلفة والميزانية، والأثقل عبئا على المال العام، مقارنة حتى ببرلمانات الدول الفدرالية الكبرى.
أرقام وزارة المالية لا تترك مجالا للشك، إذ تُظهر أن نفقات مجلس النواب ومؤسساته شهدت ارتفاعا سنويا يقارب 10 في المئة، في مسار تصاعدي ثابت لا علاقة له بالأداء أو الإنتاج التشريعي.
في عام 2015 بلغت كلفة البرلمان نحو 470 مليار دينار عراقي، أي ما يعادل 350 مليون دولار، لكن الرقم قفز في عام 2024 إلى 612 مليار دينار، بزيادة ضخمة كان نصيب الأسد منها لرواتب النواب والموظفين بنسبة 18 في المئة من مجمل الزيادة. أي أن التضخم لم يذهب لتطوير العمل التشريعي أو تعزيز الرقابة، بل لترسيخ الامتيازات.
النائب العراقي اليوم يُعدّ الأغنى عالميا، إذ يبلغ راتبه السنوي نحو 165 ألف دولار، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف راتب النائب السويدي، وثلاثة أضعاف النائب الفرنسي، وضعف راتب النائب البريطاني والأميركي. هذا دون احتساب المخصصات والامتيازات الأخرى، من سكن وحمايات وسفر وحصانة وجوازات خاصة، في وقت يتمتع فيه النائب الواحد بـ16 حارسا شخصيا، في مشهد لا مثيل له حتى في الدول التي تعيش حروبا أو تهديدات وجودية.
وتُقدَّر كلفة الدورة البرلمانية الواحدة بنحو ملياري دولار، فيما باتت ميزانية البرلمان تضاهي ميزانيات دول كاملة، لا مجرد مؤسسة تشريعية يفترض بها أن تراقب الإنفاق لا أن تتصدره.
والمفارقة الصارخة أن هذا السخاء المالي لا يقابله تشريع نوعي، ولا رقابة فاعلة، ولا حضور حاسم في ملفات الفساد والخدمات والسيادة.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس عن حجم الأرقام، بل عن معناها:
هل تتناسب هذه الكلفة الفلكية مع الأداء التشريعي للبرلمان العراقي؟
وهل ما ينتجه من قوانين ورقابة يبرر أن يكون الأغلى في العالم، في بلد يعاني من عجز الخدمات، وبطالة الشباب، وأزمات الاقتصاد؟
أم أننا أمام مؤسسة تحولت من ممثل للشعب إلى عبء مالي عليه، بلا سقف إنفاق ولا محاسبة حقيقية؟
إنها مفارقة دولة تُطالب شعبها بالتقشف، فيما يُدار أغلى برلمان في العالم بعقلية الامتياز لا المسؤولية، وبميزانية مفتوحة على حساب الثقة المفقودة بين المواطن.