أين يذهب الدولار ولماذا ترتفع أسعاره في الأسواق ؟!
كتب / د. باسل عباس خضير ....
إنها ليست المرة الأولى ولا نتوقعها الأخيرة التي تشهد بها البلاد انخفاضا بأسعار صرف الدينار مقابل الدولار ، فذلك يعود لأسباب أبرزها الدولرة التي أغرقت الأسواق ، فاغلب ما فيها من سلع ومتطلبات مستورد من الخارج بالدولار ، والمستوردون يعتمدون في تجارتهم على تحويل الدينار إلى الدولار من البنك المركزي ، والتاجر المستورد يبيع ما يستورده بالدولار ليكون بحوزته لمرتين مرة بالتحويل من البنك ومرة من البيع بالسوق ، والدولار بات يتحكم بالأسواق ويعول عليه للقياس في تحديد السعر والإرباح وغير ذلك من التعاملات ، ويعني ذلك إن للدولار حضور ومتى يغيب كلا او جزءا فانه يحدث اختلالا واختلافا في الأسواق ويمتد بذلك لما يرتبط بها من تفاصيل .
وخلال هذه الأيام حدث تغييرا ملحوظا في أسعار الدولار فارتفعت من 1320 إلى 1570 دينار بفرق مقداره 250 دينار لكل دولار أي بنسبة زيادة تبلغ 20% عن السعر الرسمي ، وكلما ارتفعت الأسعار تطرح ذات التساؤلات ، إذا كان البنك المركزي يبيع 200 مليون دولار يوميا لتغطية طلبات الاستيراد والتحويلات للأفراد والشركات وغيرها فلماذا الارتفاع ؟ ، والجواب إن الدولار كأي سلعة يخضع لآليات السوق في العرض والطلب ، ومهما طرح البنك المركزي من الدولار فانه لا يغطي كل الطلب ، لان عرضه مبني على أساس تغطية الاحتياج المسموح للاستيراد والفرق بين الاثنين هو من يحدث الاضطراب ، وللاختصار فان هناك ثلاث حالات للطلب (غير المسموح ) على الدولار وهي دولار الممنوعات ودولار التخزين ودولار الازمات .
ودولار الممنوعات يخصص لاستيراد كل ما يمتنع عن تمويله البنك المركزي من المحظورات وأبرزها : ( المخدرات ، الكحول ، الدخان ، الأدوية غير الرسمية ، المعادن النفيسة من الماس والأحجار ، السيارات ، الساعات ، التحويل خارج الضوابط للأجانب العاملين ، تحويلات العراقيين في الخارج من المرتبات ، العلاج والطلاب ، بيع وتأجير العقارات ، السفر للدول المحظورة عن التحويل ، التهريب مقابل الدينار الرسمي والمزيف ، كل النفقات غير المغطاة بالتحويل ) ، ودولار التخزين يمثل نسبة مهمة من مدخولات الأفراد والشركات التي يتم تحويلها من الدينار إلى الدولار ولا يتم إدراجها في تعاملات المصارف ، أما خشية الكشف عن مصادرها او بسبب العلل والأمراض التي يعاني منها القطاع المصرفي من حيث البيروقراطية وضعف المردود وانعدام الثقة والأمان ، وهي مبالغ كبيرة لدرجة إن مصادر رسمية تشير بان 90% من الكتلة النقدية خارج التعامل المصرفي ، ودولار الازمات يحفز البعض لتسييل ما عندهم وتحويله للدولار او الذهب بسبب الظروف والتحولات والأزمات ، والأخيرة يسهم في ( ملحها وبهراتها ) تصريحات بعض السياسيين والمنجمين الذين يرسمون السوداوية المبالغ بها في التوقعات .
وإذا كان هناك استشعار بان انخفاض أسعار الصرف بالعملة الوطنية ينشا إضرارا بليغة بالعباد والبلاد من حيث الكساد وارتفاع أسعار السلع والخدمات والاستغلال والاحتكار ، فان من واجب الدولة تطبيق سياسات وإجراءات حازمة للحد من تلك التأثيرات من خلال معالجة مسببات ارتفاع الطلب فير الشرعي وغير المبرر ، واغلب تلك الحلول معروفة ولكنها باقية دون معالجات أما بقصور او بتقصير او بسطوة الفساد على الإجراءات وسرقة بعض منافذ الحدود ، فمعالي محافظ البنك المركزي يصرح بكل يقين أنه لم يعطي تحويلا بالدولار للدخان والكحول فكيف دخلت البلاد وتنتشر في كل مكان وهي لا تشترى بغير الدولار ؟ ، كما إن الأجهزة المختصة تطارد وتعالج المخدرات ليلا ونهار وتتلف الأطنان منها بين الحين والحين فكيف مولت هذه المشتريات بالدولار؟ ، والأسواق وبيوت الأثرياء تحتوي على الألماس والياقوت والساعات والعطور النفيسة وحتى الحيوانات الأليفة والشرسة التي يحظر استيرادها ، فكيف مولت ودخلت القصور ؟ .
وخلاصة القول ، فان أزمة أسعار الصرف لا تتعلق بالبنك المركزي لوحده لان منصاته مختصة بالتمويل المشروط ، وما يعاب عليه تداول الدولار في شركات ومكاتب أجازها ولكنها تتعامل بأسعار السوق السوداء التي يلطفونها فيسمونها السوق الموازي ، وان من واجب الأجهزة المختصة وفعاليات المجتمع البحث في كيفية تجفيف منابع الطلب غير الرسمي على الدولار لكي لا يسحب من الأسواق ويكون متاحا بيسر لمن يدفع فوق المعتاد ، فضلا عن السيطرة على الحدود كونها سيادية ، وقبل هذا وذاك يجب أن يسال عن كيفية تكدس الأموال عند البعض وتركها تتراكم لأطنان دون كمارك وضرائب ورسوم ، والمعالجة ليست مستحيلة في دولة فيها قانون وقضاء ومؤسسات ، فخلو الأسواق والبيوت وكل مكان من الممنوعات والمحظورات والسلع الداخلة بغفلة السياقات مفاتيح للحلول ، وتلك إجراءات لها منافع و مردودات اقتصادية ومضامين أمنية ومجتمعية ، ربما تقلل الدمع المسال من الحكومات عن نقص السيولة و الإيرادات والأموال .