العراق بين ضغوط الخارج وأختبار القرار الوطني .؟
كتب / طه حسن الأركوازي ||
في كُل محطة سياسية مفصلية يمرُ بها العراق تعود إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين الإرادة الوطنية والضغوط الخارجية ، بوصفها واحدة من أعقد معادلات المرحلة الانتقالية التي لم تُحسم منذ عام 2003 ، فالعراق الذي أنتقل من نظام شمولي إلى نظام تعددي هش ، وجد نفسه مُندمجاً قسراً في بيئة إقليمية ودولية مزدحمة بالصراعات ، ما جعل قراره السياسي عرضة للتجاذب والتأثير ، وأحياناً للمساومة .
في هذا السياق ، لا يمكن النظر إلى أي موقف أميركي إزاء الخيارات الداخلية العراقية بمعزل عن منطق المصالح الذي يحكم السياسة الخارجية لواشنطن . فالولايات المتحدة ، كقوة كبرى لا تتعامل مع الدول من زاوية أخلاقية أو معيارية بحتة ، بل وفق حسابات براغماتية تتغير بتغير موازين القوى والظروف ، ومن هنا فإن أي تصريح أو موقف يصدر عن مسؤول أميركي بشأن شخصية سياسية عراقية أو مسار بعينه ينبغي أن يُقرأ بأعتباره رسالة سياسية موجهة إلى الداخل العراقي ، تهدف إلى التأثير في أتجاهات القرار أكثر من كونه تقييماً موضوعياً نهائياً لأشخاص أو أحزاب وتيارات .
التجربة التاريخية القريبة والبعيدة تُظهر بوضوح أن واشنطن تعاملت ، ولا تزال مع أطراف مُتناقضة في التوجهات والأيديولوجيات متى ما وجدت في ذلك خدمة لمصالحها الاستراتيجية ، كما أنها لم تتردد في مُراجعة مواقفها السابقة حين تتبدل حساباتها أو تتغير أولوياتها ، وهذا السلوك ليس أستثناءاً أميركياً بقدر ما هو سمة عامة في سياسات القوى الكبرى .
اللافت في الحالة العراقية أن جزءاً مُهماً من هذا التأثير الخارجي لا يأتي دائماً بصورة مباشرة ، بل يمر عبر قنوات غير رسمية أبرزها جماعات الضغط وشركات العلاقات العامة العاملة في مراكز القرار الأميركية ، هذه الشبكات التي أصبحت جُزءاً بُنيوياً من المشهد السياسي في واشنطن ، تنشط لصالح حكومات وأحزاب وشخصيات من مختلف دول العالم ، وتسعى إلى تسويق روايات محددة تخدم الجهات التي تُمولها .
وبالنسبة للعراق ، لا يُخفى على المتُابع أن عدداً من القوى السياسية يمتلك قنوات تواصل مع هذه الدوائر ، ويستثمرها كأداة لتعزيز موقعه في الصراع الداخلي ، وهنا تتجلى الإشكالية الجوهرية فحين يتحول الخلاف الداخلي من تنافس سياسي مشروع إلى سباق لأستدعاء الخارج وتوظيفه ضد الخصوم ، يصبح القرار الوطني نفسه جُزءاً من معركة النفوذ ، لا ثمرة لتوافق وطني مستقل .
هذا الواقع يفرض سؤالاً أستشرافياً بالغ الأهمية هو إلى أين يمكن أن يقود أستمرار هذا النمط من السلوك .؟
على المدى القريب قد يحقق لبعض الأطراف مكاسب تكتيكية ، لكنه على المدى المتوسط والبعيد يرسّخ هشاشة الدولة ، ويضعف ثقة المواطن بالعملية السياسية ، ويُعمق الانطباع بأن السلطة تُصنع خارج الحدود بقدر ما تُصنع داخلها .
في المقابل ، لا يعني تشخيص هذه المشكلة الدعوة إلى القطيعة مع المجتمع الدولي أو تبني خطاب عدائي أتجاه الولايات المتحدة أو غيرها من القوى المؤثرة .؟
فالعراق ، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته الاقتصادية والأمنية ، يحتاج إلى علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية ، غير أن الفارق الجوهري يكمن بين الانفتاح الدبلوماسي القائم على المصالح المتبادلة ، وبين الارتهان السياسي الذي يحوّل الخارج إلى حكم في النزاعات الداخلية .
من زاوية أخرى ، تتحمل النُخب العراقية مسؤولية مُضاعفة في هذه المرحلة ، فبدلاً من توظيف الخلافات الداخلية لتعزيز موقع العراق التفاوضي مع الخارج ، يجري في كثير من الأحيان توظيف الخارج لتعزيز مواقع داخلية ، هذا الانقلاب في الأولويات يعكس أزمة عميقة في مفهوم الدولة لدى جزء من الطبقة السياسية ، حيث تُختزل السلطة بوصفها غاية بحد ذاتها لا أداة لخدمة مشروع وطني جامع .
اليوم يمكن القول إن العراق يقف أمام مسارين محتملين :
مسار أول : يقوم على أستمرار النهج الحالي بما يحمله من تدوير للأزمات ، وتراكم للشكوك ، وتعميق للتبعية ، وهو مسار قد يقود إلى مزيد من الانقسام والضعف البنيوي .
ومسار ثانٍ : يتمثل في شروع القوى السياسية تحت ضغط الواقع وتراكم الإخفاقات ، بمراجعة جادة لآليات إدارة الخلاف ، والانتقال من منطق الاستقواء بالخارج إلى منطق التفاهم الداخلي .
إن نجاح المسار الثاني يتطلب جملة شروط في مُقدمتها الاعتراف بأن لا طرف داخلي يمتلك القدرة على إلغاء الآخرين ، وأن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع عبر فرض الإرادات ، بل عبر بناء تسويات وطنية قائمة على الدستور والمؤسسات ومعايير الكفاءة والنزاهة ، كما يتطلب إدراكاً جماعياً بأن حماية السيادة لا تتحقق بالشعارات ، بل ببناء دولة قادرة على اتخاذ قرارها ، والدفاع عنه ، والتفاوض عليه من موقع الندية .
أخيراً وليس آخراً .. إن المواقف الخارجية مهما بدت حادة أو حاسمة تبقى مُتغيرة بطبيعتها ، بينما يبقى الرهان الحقيقي على قدرة العراقيين أنفسهم على إنتاج مُعادلة سياسية أكثر توازناً ونضجاً ، فحين يستعيد الداخل زمام المبادرة ، تتحول رسائل الخارج من أدوات ضغط إلى معطيات تفاوض ، ومن مصادر قلق إلى أوراق يمكن إدارتها ضمن رؤية وطنية واضحة ، وهذا في جوهره هو التحدي الأكبر الذي يواجه العراق في المرحلة المقبلة …!