حين تتحول الجامعات الى “معامل” لتفريخ البطالة
كتب / محمد الربيعي
ما يحدث اليوم في المشهد التعليمي العراقي ليس توسعا معرفيا، بل هو عملية اغراق سوق منظمة، تتبع سياسة الربح السريع على حساب امن البلاد الاقتصادي والمجتمعي. لقد تحولت الجامعات الاهلية من صروح لبناء العقول الى “دكاكين اكاديمية” تبيع الوهم للطلبة، وتصدر للمجتمع افواجا من العاطلين بمرتبة “خريج”.
من المثير للسخرية والمرارة معا، ان تجد شارعا واحدا يضم ثلاث جامعات اهلية، والثلاث تفتتح كليات لطب الاسنان والصيدلة والتمريض. هل يعقل ان استراتيجية التعليم العالي في بلد بحجم العراق تُبنى على “التقليد والمحاكاة”؟
لقد اغرقت هذه التخصصات السوق المحلية حتى وصلنا الى مرحلة “التشبع القاتل”. اننا لا نخرج اطباء ومحامين، بل نخرج ضحايا جدد لطوابير التعيين المركزي الوهمي، او شبابا يضطرون لفتح مشاريع بعيدة كل البعد عن دراستهم لكي لا يموتوا جوعا.
لم يتوقف الامر عند التكرار، بل انتقل الى “الفانتازيا” التعليمية. فجاة، وبدون مقدمات لوجستية او بنية تحتية، بدانا نسمع عن تخصصات الطائرات المسيرة والتخدير والذكاء الاصطناعي في جامعات تفتقر لابسط المختبرات التقنية.
السؤال الجوهري: هل الهدف هو مواكبة العصر؟ ام هو مجرد “واجهة اعلانية” لجذب الطلبة تحت مسمى التخصصات “المودرن” لزيادة المداخيل المالية؟
ان اقحام تخصصات دقيقة وحساسة في بيئة لم تهيئ لها سوق عمل حقيقي هو ضرب من العبث بمستقبل الشباب.
الجامعات الاهلية تُروّج لفرية تلبية “رغبة الطالب”، لكن الحقيقة انها تلبي “رغبة الخزينة” لديها.. التعليم ليس سلعا تُعرض في سوبر ماركت بناءً على طلب الزبون، التعليم هو محرك الدولة الاساسي.
ان الاستمرار في سياسة “فتح الباب لمن يدفع” دون النظر الى حاجة السوق الفعلية هو جريمة وطنية. نحن بحاجة الى:
– ستراتيجية انقاذ: تبدا بفرض “حظر اكاديمي” وايقاف منح الرخص لتخصصات مثل طب الاسنان والصيدلة والقانون والتربية الاسلامية فورا لعدة سنوات، لاعادة تقييم حاجة السوق الحقيقية بعيدا عن ارقام الارباح.
– التوجيه المهني التقني: تحويل الاستثمار نحو الصناعة والزراعة الحديثة والطاقة المتجددة وادارة الازمات المائية.
– ربط الترخيص بالتشغيل: لا يجوز لجامعة ان تفتتح قسما الا اذا اثبتت بالدراسات والارقام ان هذا التخصص له مقعد في سوق العمل الخاص او العام.
ان بناء الاوطان لا يتم بزيادة اعداد الخريجين، بل بنوعيتهم ومدى احتياج الارض لجهودهم.
الى متى ننتظر؟ هل ننتظر حتى يصبح لكل مواطن عراقي “شهادة دكتوراه” وهو لا يجد ثمن خبزه؟
لقد حان الوقت لتغيير البوصلة من “الاستثمار في الجيوب” الى “الاستثمار في العقول المنتجة”.
ان لم نوقف هذا النزيف الاكاديمي، فسنواجه انفجارا اجتماعيا يقوده جيش من “المتعلمين العاطلين” الذين خدعتهم الجامعات بقطعة ورق تسمى شهادة.