اغتيال الدولة العراقية وسيادتها .. ترامب وأذرع أمريكا في المنطقة
كتب / د. الياس محمود ..
على مر العصور، كانت السيادة الوطنية أحد أعظم الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة، فدونها لا يمكن الحديث عن استقلال حقيقي أو وجود في السياسة الدولية. لكن في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003، شهدنا تدهورًا مستمرًا في قدرة العراق على الحفاظ على سيادته، وتعرض الدولة العراقية لتهديدات مباشرة من قوى خارجية، كان أبرزها الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة دونالد ترامب، وأذرعها في المنطقة.
بعد غزو العراق في عام 2003، تعمق التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية للعراق، فمع سقوط النظام السابق، أسفرت السياسات الأمريكية عن تشكيل واقع جديد مليء بالفراغ السياسي والاقتصادي، الذي سرعان ما امتلأ بالجماعات المسلحة التي رعتها واشنطن، كانت الإدارة الأمريكية تدير سياستها الخارجية وفقًا لمصالحها الخاصة دون اعتبار لسيادة الدول الأخرى.
في كانون الثاني من عام 2020، ارتكبت إدارة ترامب أكبر وأخطر خطوة في تهديد سيادة العراق، عندما أمرت باغتيال قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، داخل الأراضي العراقية. هذا الهجوم لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان انتهاكًا سافرًا لسيادة العراق وحقوقه كدولة ذات سيادة. كانت هذه العملية بمثابة إعلان رسمي أن العراق لا يمتلك حق الدفاع عن
الغريب في هذه الواقعة هو أن العملية جرت دون التنسيق مع الحكومة العراقية، وهو ما يعكس أن الولايات المتحدة باتت تتعامل مع العراق كأنها الدولة التي تملك الحق في اتخاذ القرارات بشأنه، تاركة وراءها كل الحديث عن السيادة والاحترام الدولي. لم يكن هناك أي اعتبار لقرار البرلمان العراقي الذي طالب بطرد القوات الأجنبية من البلاد، ولم يتم احترام أي من المبادئ الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية.
تدعم الولايات المتحدة العديد من القوى والجماعات في العراق وفي المنطقة بشكل عام، وهو ما يعكس قدرتها على التأثير في الأنظمة المحلية وفرض أجنداتها. ومن أبرز هذه الأذرع الميليشيات المسلحة التي تتلقى دعمًا مباشرًا من واشنطن، والتي تعمل تحت مظلة محاربة الإرهاب، ولكن في الواقع تُستخدم لتحقيق أهداف جيوسياسية تتجاوز مصلحة الشعب العراقي. هذه الجماعات، التي تتلقى تدريبًا وتمويلًا من الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، أصبحت جزءًا من المشهد السياسي والعسكري العراقي بشكل غير شرعي.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى الجماعات السنية المدعومة من الولايات المتحدة، مثل "قوات العشائر"، وكذلك المجموعات الكردية التي تحظى بدعم عسكري أمريكي،.
لم يكن هذا التدخل مجرد انتهاك للسيادة السياسية فقط، بل كان له آثار مدمرة على الاقتصاد العراقي. فقد فاقمت السياسة الأمريكية من ضعف البنية التحتية، وأدت إلى تفشي الفساد وسوء الإدارة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطن العراقي. كانت العواقب الاقتصادية لاحتلال العراق واستمرار التدخلات الأمريكية والضغط الدولي واضحة في جميع مناحي الحياة: من انخفاض مستوى التعليم والرعاية الصحية، إلى تدهور الوضع الأمني وتفشي البطالة.
أضف إلى ذلك تداعيات الوجود العسكري الأمريكي الذي لا يزال قائمًا في العديد من القواعد العسكرية في العراق، رغم مطالبة الشعب العراقي والحكومة العراقية بانسحاب هذه القوات. هذا الوجود العسكري بات يشكل تهديدًا للأمن الوطني العراقي ويجعل البلاد عرضة للتوترات الإقليمية والدولية.
ما حدث في العراق، خصوصًا خلال فترة حكم ترامب، يعد نموذجًا صارخًا لانتهاك السيادة الوطنية تحت ستار حماية المصالح الأمريكية. العراق، مثل غيره من الدول، يجب أن يتعلم من هذه التجارب المرة ويبحث عن سبل لتعزيز استقلاله وحقوق شعبه بعيدًا عن تدخلات القوى الكبرى. ليس هناك بديل عن سيادة حقيقية تضمن للعراق مكانًا محترمًا في النظام الدولي.
الوقت قد حان لوقف هذه السياسات التي تهدف إلى اغتيال الدولة العراقية واستنزاف مواردها. الشعب العراقي وحده هو الذي يقرر مصيره، ولا يمكن لأي دولة، مهما كانت قوتها، أن تفرض عليه اختياراتها.