ازدواجية الخطاب الأميركي: من تمثال الحرية إلى سياسات ترامب
كتب / رياض سعد
منذ أن وطئت أقدام الأوروبيين أرض الأمريكتين، ارتبط تاريخ التأسيس بسرديات العنف والإقصاء والاجرام والارهاب ، لا سيما ما تعرّض له السكان الأصليون من حروب وتهجير قسري… ؛ غير أنّ الدولة التي نشأت لاحقًا، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، سرعان ما أعادت صياغة صورتها أمام العالم بوصفها راعية «العالم الحر»، وحاملة لواء الديمقراطية وحقوق الإنسان والفيدرالية والتعددية… ؛ وهكذا تَشكَّل نموذجٌ جاذبٌ للمهاجرين من كل حدب وصوب، يحلمون برؤية تمثال الحرية رمزًا للخلاص والفرص الجديدة .
غير أنّ التناقض بين المثال المعلن والممارسة الواقعية ظلّ موضوع جدلٍ عالميٍّ مستمر… ؛ وقد عاد هذا الجدل بقوة مع صعود الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إذ رافقت ولايته الأولى سلسلةٌ من السياسات والتصريحات التي أعادت إلى الواجهة أسئلة الهوية والقيم والدور الدولي… ؛ فقد تبنّت إدارته خطابًا متشددًا إزاء الهجرة، وفرضت قيودًا صارمة على بعض الفئات، وارتفعت في الفضاء العام أصواتٌ قوميةٌ وشعبويةٌ عنصرية غذّت الاستقطاب الداخلي .
أولًا: البعد السياسي – بين الواقعية الصلبة وأزمة الثقة
سياسيًا، اتجهت الإدارة نحو مقاربة تقوم على «أمريكا أولًا»، بما تحمله من نزعةٍ إلى إعادة التفاوض حول الاتفاقيات، والضغط لإعادة توزيع الأعباء مع الحلفاء، والتهديد بالانسحاب من أطرٍ دولية متى رأت في ذلك مصلحة وطنية مباشرة… ؛ هذا النهج، وإن كان يجد جذوره في المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، إلا أنه أوجد أزمة ثقة لدى خصومٍ وحلفاءٍ على السواء، وأثار تساؤلات حول استمرارية الالتزامات الأمريكية عبر الإدارات المتعاقبة .
وفي الملف الإيراني، تعقّد المشهد بين مسارات تفاوضٍ متقطعةٍ وتصعيدٍ لفظيٍّ وعقوباتٍ اقتصاديةٍ مشددة… ؛ وقد انعكس هذا التذبذب على صورة واشنطن التفاوضية، إذ رأى منتقدون أنّ تبدّل المواقف أو تشديد الشروط في اللحظات الحاسمة يُضعف مصداقية أي مسارٍ دبلوماسيٍّ طويل الأمد .
ثانيًا: البعد الإعلامي – صناعة السردية وتضارب الرسائل
إعلاميًا، اتسمت المرحلة بكثافة الرسائل وتناقضها أحيانًا: حديثٌ عن الاستعداد للحرب، يقابله تأكيدٌ على تفضيل الحلول السلمية؛ تضخيمٌ لتهديدات الخصوم، مع تسريباتٍ عن قيودٍ لوجستيةٍ أو حساباتٍ داخلية… ؛ هذا التنافر بين الخطابَين العلني والضمني أسهم في إرباك الرأي العام الدولي، وفتح الباب أمام قراءاتٍ ترى في «فوضى الرسائل» استراتيجيةً متعمّدة لخلط الأوراق ورفع سقف التوقعات قبل أي تحركٍ عسكري أو تفاوضي .
كما لعبت وسائل التواصل والاعلام دورًا محوريًا في تشكيل الصورة؛ إذ انتقل الخطاب الرئاسي إلى منصاتٍ مباشرةٍ تتجاوز القنوات التقليدية، ما زاد من حدّة الاستقطاب، وسرّع دورة الأخبار، ووسّع هامش التأويل .
ثالثًا: البعد العسكري – الردع، التحالفات، وحدود القوة
عسكريًا، حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على حضورٍ واسعٍ في بؤر التوتر، مع تأكيدٍ متكررٍ على قوة الردع والجاهزية… ؛ غير أنّ أي عملٍ عسكريٍّ واسع النطاق في الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح الإقليمية والدولية، يظل محفوفًا بتكاليف استراتيجية واقتصادية وبشرية… ؛ وهنا تتعاظم أهمية حسابات التحالف مع إسرائيل، ولا سيما في ظل قيادة بنيامين نتنياهو، حيث تتقاطع الرؤى أحيانًا وتختلف أحيانًا أخرى وفق اعتبارات الداخل في كل دولة .
وتبقى العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية محورًا دائم الجدل: هل هي علاقة تبعيةٍ متبادلةٍ تحكمها المصالح، أم شراكةٌ استراتيجيةٌ ذات أولويةٍ قصوى؟
الواقع يشير إلى شبكةٍ معقدةٍ من المصالح المشتركة، والضغوط الداخلية، واللوبيات، والاعتبارات الانتخابية، ما يجعل توصيفها أحاديًا تبسيطًا مُخِلًّا.
بين المثال والواقع: سؤال الأخلاق في السياسة الدولية
إنّ السياسة الدولية بطبيعتها مجالُ صراع مصالح، حيث تتقدّم اعتبارات القوة والأمن القومي على المثاليات الأخلاقية… ؛ لكنّ الإشكال يظهر حين يتّسع الفارق بين الخطاب القيمي والممارسة الفعلية؛ عندها تتآكل المصداقية، ويتنامى الشعور بازدواجية المعايير … .
فحين تعلن دولةٌ ما التزامها بحقوق الإنسان، ثم تُتهم بدعم عملياتٍ عسكريةٍ تُخلّف دمارًا واسعًا في غزة ، أو تُمارس ضغوطًا اقتصاديةً قاسيةً على شعوبٍ بأكملها، فإنها تُعرّض صورتها الأخلاقية للاهتزاز… ؛ وحين تُلوّح بالحوار في العلن، بينما تُصعّد في الخفاء، فإنها تُغذّي سرديات الشك وانعدام الثقة .
خاتمة: عالمٌ على مفترق طرق
ليس السؤال اليوم عمّن يتبع مَن، بل عن طبيعة النظام الدولي ذاته: هل يتجه نحو مزيدٍ من الأحادية القطبية حيث تُفرض الإرادة بالقوة، أم نحو تعدديةٍ تعيد الاعتبار للقانون الدولي والتوازنات الإقليمية؟