استراتيجيات مواجهة الصراع
كتب / د. باسل عباس خضير …
يعرف الصراع ( conflict ) ، بأنه الموقف الذي تظهر فيه اختلافات في الآراء والأفكار ، ويمكن أن يظهر فيه تناقض بين الإدراك والأحاسيس والعواطف ويؤدي إلى حدوث خصام فيما بين طرف وطرف آخر ، والصراع موجود بوجود الإنسان ويمكن أن يكون مكبوتا أو كامناً ، ولكنه يتحرك ويطلق بفعل الظروف والمتغيرات والمغريات . ويحدث لسبب أساس هو رغبة المنافسة من اجل الفوز ( بطمع أو استحقاق) وتجنب الخسارة ، ونخص هذا الموضوع بالاهتمام لان الصراع بات منتشرا عند الفرد نفسه وبين الإفراد ، وتسلله ممكنا للجماعات وقد اخذ يستحوذ على العديد من العلاقات بين الدول والمؤسسات للحد الذي يؤدي لحدوث أزمات وكوارث كبيرة من الممكن أن تصيب أضرارها الكثير ، ووجود الصراع ( كاحتمال قائم ) يتطلب المعرفة به من جوانب تتعلق به للتمكين في احتواءه أو معالجته قبل أن يتطور لمستويات تصعب السيطرة عليه ، ورغم إن كلمة ( الصراع ) توحي بالسلبية إلا إن له العديد من الإيجابيات ، فقد أكد الرسول محمد ( ص ) أهمية الاختلاف في الرأي البناء كما ورد في الحديث الشريف (( اختلاف أمتي رحمة )) ، بما يدل على مدى أهمية الحوار والنقاش وتبادل الأفكار والآراء ، وقد أثبتت الدراسات المعاصرة أهمية النتيجة الايجابية للصراع التي حددها الحديث الشريف ، حيث أوضحت أن للصراع مزايا وايجابيات عديدة أبرزها :
1- يسهم في زيادة درجة التماسك والتقارب وينمي روح التعاون
2- يدفع إلى زيادة الجهود لا ثبات صحة الآراء والأفكار التي يؤمن بها للآخرين
3- يحفز لا يجاد بدائل وتغييرات لمواجهة المشكلات
4- يعمل على تنمية عمليات الإبداع والابتكار في تحليل وحل المشكلات
5- تستطيع القيادات من خلاله الوقوف على آراء و مشاعر وأحاسيس الناس
6- يساعد في اكتشاف القيادات الأكثر قدرة على مواجهة المواقف بمختلف الظروف والمتغيرات
وللصراع أنواع وإشكال متعددة ، ويتم تصنيفه أحيانا حسب ( معيار ) الإقدام والإحجام ، ويتكون من :
. صراع الإقدام – الإقدام : يحدث هذا النوع من الصراع عندما تكون هناك رغبتان أو هدفان ايجابيان كلاهما مرغوبين لأنهما يحققان إشباعا لرغبات معينة ، ولكن ليس من الممكن تحقيقهما معا في وقت واحد ولذلك نجده في صراع في اختيار أي من الرغبتين .
. صراع الإقدام – الأحجام : يعاني من هذا النوع من الصراع الفرد الذي تتاح له فرصة تحقق أهدافه وتجذبه وتغريه ، وفي الوقت نفسه هناك ما يحول دون تمكنه من الاستفادة من هذه الفرصة لان عليه أن يضحي بشيء ما أذا أراد تحقيق رغبته في الاستفادة من الفرصة .
صراع الإحجام – الإحجام : يعاني من هذا الصراع كل فرد يكون في موقف عليه أن يختار بين اثنين من الإعمال أو الفرص التي لا يرغب بهما ، لان كلا منهما يلحق به ضررا بليغا ، ومن أمثله هذا الصراع حالة الفرد الذي يحاول الانتحار لعدم رغبته في الحياة ولكنه في نفس الوقت يدرك ان الانتحار حرام ويمثل هزيمة من الواقع .
ونشير بهذا الخصوص ، إن الصراع وأي صراع لا يظهر بصورة مفاجئة وإنما بمراحل متعددة ، وإن معرفة وتشخيص المرحلة التي يمر بها الصراع يسهم في تحديد الموقف والقرار الذي يتعين اتخاذه لمواجهة الصراع ، وتتلخص هذه المراحل بما يأتي :-
الأولى مرحلة الصراع الضمني : تتمثل هذه المرحلة بالظروف والشروط والمواقف السابقة لنشوء الصراع التي تكون سببا لحدوث الصراع مثل المنافسة أو الرغبة في الحصول على اكبر قدر ممكن من الفوائد والمزايا على حساب الآخرين ، أو الرغبة في التسلط على الآخرين ، أو فرض الارادة غير الشرعية .
الثانية مرحلة إدراك الصراع : ويتم في هذه المرحلة إدراك الصراع ، و إدراك الصراع يعتمد على القدرة على ملاحظة الصراع وعلى مدى توفر المعلومات والبيانات التي تمكن من إدراك الصراع ومعرفة مدى إمكانية ظهور الصراع .
الثالثة مرحلة الشعور بالصراع : في هذه المرحلة يبدا الشعور بالصراع ، حيث تظهر في هذه المرحلة المشاعر العدوانية والتنافر والاختلاف وتظهر الممارسات التي لا تسودها مشاعر الود والتعاون ، بل تظهر بوادر التأزم في العلاقات .
الرابعة مرحلة ظهور الصراع : يظهر الصراع في هذه المرحلة بشكل واضح ، ويتم التعبير عن الصراع بالسلوك الفعلي المعلن الذي قد يكون على عدة اشكال منها اظهار العدوانية والا مبالاة أو عدم تنفيذ عدم المطلوب أو إظهار عدم الاحترام للقوانين .
ولان الصراع موجودا وقد يقع في ظرف أو توقيت ما ، فمن الضروري فهم الأساليب التي يمكن من خلالها تجنبه أو الخروج منه بأعلى فوز أو بتقليل الخسائر للحد المقبول ، وهناك استراتيجيات متعددة ومختلفة لمواجهة الصراع وأبرزها :
1- تجنب الصراع أو الانسحاب منه عندما تكون نتائجه غير مؤكدة
2- تلطيف الصراع أو تخفيفه للحد الذي يحقق التوازن لمستوى معقول
3- استخدام السلطة والقوة في مواجهة الصراع عندما تحسب أضراره
4- المساومة بين أطراف الصراع للوصول الى فوز او خسارة ( مقبولة )
5- استخدام الأساليب العلمية أو الموضوعية في مواجهة الصراع التي فيها حكمة في التعامل بعقلانية معه ، ويقوم هذا الأسلوب على أساس دراسة أسباب الصراع ودوافعه ويتطلب هذا الأسلوب ما يأتي :
أ- توفر الرغبة لدى أطراف الصراع في حسمه
ب- إيمان أطراف الصراع بقدرتهم على إيجاد الحلول اللازمة لإنهائه
ج-اعتراف الأطراف المتصارعة بان سبب الصراع يكمن في طريقة التعامل معه والتي يمكن تغييرها والخروج بنتيجة لا غالب ولا مغلوب
د- محاولة كل طرف فهم مشكلة الصراع من وجهة نظر الطرف الآخر
ه-تجاهل الاختلافات أو تأجيلها لحين تكامل الإمكانيات للمواجهة فيما بعد
و-إتاحة الفرصة لجميع الأطراف المتصارعة لشرح موقفها بالكامل للتمييز بين الخطأ والصواب
ز- توفير المعلومات اللازمة لتوضيح إبعاد الصراع وأهدافه
ي- دراسة أسباب الصراع بموضوعية وما سيترتب عنه من نتائج عند عدم إنهائه
6- إتاحة الفرصة لطرف محايد في التوسط في معالجة وإنهاء الصراع ، وتراعى الدقة في اختيار الوسيط بحيث يكون نزيها ومحايدا ولديه القدرة على الإقناع للطرفين ، وان لا يضيع حقوق ما تحقق من مكاسب وما ترتب على ذلك من تضحيات ، وان يعترف الطرف الذي طلب التوسط بعجز او ضعف قدرته في الاستمرار .