edition
Almaalouma
  • أخبار
  • مقالات
  • إنفوجرافيك
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  1. Home
  2. مقالات
  3. حكاية أمة ترفض الانكسار
حكاية أمة ترفض الانكسار
مقالات

حكاية أمة ترفض الانكسار

  • 24 Mar 21:48

كتب / ميشيل شحادة

إيران ليست دولة عابرة في التاريخ، بل هي واحدة من تلك الكيانات الحضارية التي يصعب اختزالها في حدود الجغرافيا أو في زمن سياسي محدد. فهي امتداد حي لذاكرة إنسانية ضاربة في عمق التاريخ، منذ الإمبراطورية الأخمينية في القرن السادس قبل الميلاد، حين أسس قورش الكبير نموذجا إداريا متقدما سابقا لعصره، يقوم على تنظيم الأقاليم واحترام التعدد الثقافي، مرورا بالإمبراطوريات اللاحقة كالساسانية، ثم دورها المحوري في الحضارة الإسلامية، حيث أصبحت مركزا للفكر والفلسفة والشعر والعلم. لم يكن هذا الإرث مجرد ماض ساكن، بل ظل نابضا في وجدان الإيرانيين، يشكل رؤيتهم لأنفسهم كأمة صاحبة تاريخ وسيادة، لا ككيان تابع أو هامشي.
غير أن هذا الامتداد الحضاري تعرض لاهتزاز عميق في العصر الحديث، خصوصا خلال حكم الشاه محمد رضا بهلوي (١٩٤١–١٩٧٩)، الذي مثل نموذجا صارخا للدولة التابعة للغرب. ففي عام ١٩٥١، شهدت إيران لحظة استثنائية حين انتُخب محمد مصدق رئيسا للوزراء في تجربة ديمقراطية نادرة في المنطقة، وقاد مشروعا وطنيا جريئا لتأميم النفط، في محاولة لاستعادة السيادة على ثروات البلاد. كان ذلك القرار إعلان كرامة بقدر ما كان خطوة اقتصادية، لكنه اصطدم مباشرة بمصالح القوى الاستعمارية. لم تمضِ سوى سنتين حتى قادت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية، انقلابا عام ١٩٥٣ أطاح بمصدق، وأعاد تنصيب الشاه، لتدخل إيران مرحلة طويلة من التبعية السياسية والاقتصادية.
منذ ذلك الحين، تحولت إيران إلى حليف استراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة، وإلى شريك وثيق   لـ”إسرائيل”، في شبكة علاقات أمنية واقتصادية عميقة. داخليا، لم يكن هذا التحالف الخارجي منفصلا عن طبيعة الحكم، إذ أُقيم نظام استبدادي صلب، اعتمد على جهاز السافاك الذي أصبح رمزا للقمع، حيث انتشرت الاعتقالات والتعذيب وقمع كل صوت معارض. ورغم ما رُوج له من تحديث ضمن ما عُرف بـ”الثورة البيضاء”، فإن هذا التحديث بقي سطحيا وغير متوازن، إذ تراكمت الثروات في يد النخب المرتبطة بالنظام، بينما ظلت شرائح واسعة من الشعب تعيش في الفقر والتهميش. ففي منتصف السبعينيات، ورغم أن عائدات النفط تجاوزت ٢٠ مليار دولار سنويا، كان أكثر من ٤٠٪ من السكان تحت خط الفقر، وكانت الأمية تصل إلى نحو ٦٠٪ في المناطق الريفية.

اجتماعيا، فُرض نموذج ثقافي غربي من أعلى، منفصلا عن هوية المجتمع وتقاليده، مما عمق شعور الاغتراب لدى فئات واسعة، خصوصا الطبقات الشعبية والدينية. أُغلقت الحياة السياسية، مُنعت الأحزاب، وصُودرت الإرادة العامة. كل ذلك لم يكن إلا تراكما صامتا لاحتقان عميق، انفجر في نهاية المطاف بثورة شعبية عارمة عام ١٩٧٩، أطاحت بالنظام الملكي، وأعلنت قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله روح الله الخميني، في لحظة مفصلية لم تغير إيران وحدها، بل أعادت رسم الكثير من معادلات المنطقة.
ومع انتصار الثورة، لم يكن التحول داخليا فقط، بل حملت إيران الجديدة رؤية سياسية وأخلاقية مختلفة على المستوى الإقليمي، تجلت بوضوح في موقفها من القضية الفلسطينية. فقد أغلقت السفارة “الإسرائيلية” في طهران، وفتحت مكانها سفارة فلسطين، في خطوة رمزية عميقة المعنى، عبرت عن إعادة تموضع استراتيجي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أُطلق “يوم القدس العالمي”، الذي يُحيى سنويا في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، ليصبح منصة عالمية للتعبير عن مركزية فلسطين في الوعي السياسي الإيراني.
هذا التموضع الحاد والواضح في مواجهة الكيان الصهيوني شكل أحد أبرز أسباب العداء المتصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى. فإيران لم تكتفِ برفض الاعتراف بـ “إسرائيل”، بل وضعت نفسها في موقع داعم سياسيا وإعلاميا واستراتيجيا لفلسطين، وهو ما اعتُبر تهديدا مباشرا لمعادلات قوة الإمبراطورية القائمة. ومن هذا المنظور، فإن ما تعرضت له إيران من عقوبات وضغوط وحروب، مباشرة وغير مباشرة، وما تواجهه اليوم من عدوان، يُقرأ باعتباره محاولة مستمرة لكسر هذا التموضع، بينما تبدو بقية الذرائع، النووية أو الصاروخية أو السياسية، تفاصيل ضمن هذا السياق الأكبر.
منذ اللحظة الأولى، واجهت الثورة عداء دوليا واسعا، خصوصا من الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات متتالية وضغوطا قصوى، وسعت إلى عزل إيران سياسيا واقتصاديا. وفي عام ١٩٨٠ اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت ثماني سنوات، وكانت من أعنف حروب القرن العشرين، إذ تجاوز عدد الضحايا مليون قتيل من الطرفين، وتكبدت إيران خسائر اقتصادية تزيد على ٥٠٠ مليار دولار. وقد حظي العراق بدعم واسع من الغرب وحلفائه من دول الخليج. وفي مفارقة لافتة، كشفت فضيحة “إيران–غيت” لاحقا عن قيام إدارة ريغان ببيع أسلحة سرا لإيران، في تجل واضح لاستنزاف الطرفين معا، تمهيدا لإضعافهما وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم المصالح الاستعمارية.
[3/24/2026 9:43 PM] محمد المعموري: ورغم كل ذلك، لم تنكفئ إيران، بل سعت إلى بناء نموذج يعتمد على الذات، فبلغ ناتجها المحلي نحو ٤٠٠ إلى ٤٥٠ مليار دولار، وأصبحت من بين أكبر الاقتصادات عالميا وفق تعادل القوة الشرائية، كما تمتلك واحدة من أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم. طوّرت قاعدة صناعية متنوعة، تنتج أكثر من مليون سيارة سنويا، وحققت اكتفاء نسبيا في العديد من القطاعات، بما في ذلك الصناعات العسكرية. وفي ميدان العلم، صعدت إلى مصاف الدول المتقدمة نسبيا، محتلة موقعا ضمن أول ١٥ دولة في عدد الأبحاث المنشورة، مع ارتفاع نسبة محو الأمية إلى أكثر من ٩٠٪، وتوسع واسع في التعليم العالي.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد شهدت إيران تحولات لافتة، خصوصا في تعليم المرأة، حيث تشكل النساء اليوم أكثر من ٥٠٪ من طلاب الجامعات، وبرز حضورهن في مختلف الميادين المهنية والعلمية، كما دخلن الحياة السياسية وحققن حضورا متناميا ومؤثرا. وفي قطاع الصحة والبنية التحتية، تحققت إنجازات مهمة، مع تغطية كهربائية تتجاوز ٩٩٪ من السكان، وإنتاج محلي لأكثر من ٩٥٪ من الأدوية، وارتفاع متوسط العمر إلى مستويات تقارب العديد من الدول المتقدمة.
وعلى مستوى السيادة، حافظت إيران على استقلال قرارها السياسي، ورفضت الانخراط في المنظومة الغربية المسيطرة إقليميا، متجهة نحو بناء علاقات مع قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين، كما طورت قدرات عسكرية ذاتية، خاصة في المجال الصاروخي، ما منحها قدرة ردع معتبرة، ظهرت ملامحها في المواجهات التي تخوضها اليوم، حيث يتجلى صراع غير متكافئ بين قوة تمتلك تفوقا تكنولوجيا وعسكريا، ودولة استطاعت، رغم كل الضغوط، أن تحافظ على توازن استراتيجي يمنع هزيمتها.
وفي قلب هذه التجربة، يبرز بُعد إنساني لا يقل أهمية عن الأبعاد السياسية والاقتصادية، يتمثل في قدرة المجتمع الإيراني على الصمود وإعادة إنتاج ذاته رغم الضغوط المستمرة. فالعقوبات لم تكن مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل انعكست على تفاصيل الحياة اليومية، ومع ذلك نشأت ثقافة اعتماد على الذات، وروح جماعية ترى في التحدي فرصة لإثبات الوجود. هذا التماسك الداخلي، بكل تناقضاته وتنوعه، شكل أحد أهم عناصر القوة غير المرئية، التي مكنت إيران من الاستمرار والمناورة، ومن تحويل الحصار إلى دافع للإبداع، لا إلى سبب للانهيار.
في النهاية، لا يمكن فهم إيران بمعزل عن هذا التشابك بين التاريخ والسياسة والعقيدة والمصلحة. فهي ليست مجرد دولة، بل مشروع مستمر لإعادة تعريف الذات في مواجهة الضغوط الخارجية. وبينما تختلف الآراء حول تجربتها، يبقى الثابت أنها انتقلت من موقع التبعية إلى موقع الفعل، ومن الهامش إلى قلب المعادلة، لتصبح اليوم واحدة من أكثر القوى تأثيرا وإثارة للجدل في العالم، دولة تخاطب العقل بإنجازاتها، وتخاطب العاطفة بسرديتها عن السيادة والكرامة.

الأكثر متابعة

All
العراق أمام أخطر اختبار مالي منذ عقود.. انهيار الصادرات النفطية يهدد رواتب الموظفين

العراق أمام أخطر اختبار مالي منذ عقود.. انهيار...

  • تقارير
  • 24 Mar
ثلاثي السيادة والمقاومة..حراك نيابي لقطع يد واشنطن وتحصين الأجواء بظهير إقليمي

ثلاثي السيادة والمقاومة..حراك نيابي لقطع يد واشنطن...

  • تقارير
  • 19 Mar
خارطة الخراب الدولي.. تحالف واشنطن - تل أبيب يستهدف الحشد لإنعاش داعش

خارطة الخراب الدولي.. تحالف واشنطن - تل أبيب يستهدف...

  • تقارير
  • 18 Mar
ترسانة طهران النوعية والنفس الكربلائي يحاصران المصالح الأمريكية في المنطقة

ترسانة طهران النوعية والنفس الكربلائي يحاصران...

  • تقارير
  • 24 Mar

اقرأ أيضا

All
معركة هرمز: قراءة في سيناريو “السويس” بعد 70 عامًا
مقالات

معركة هرمز: قراءة في سيناريو “السويس” بعد 70 عامًا

حكاية أمة ترفض الانكسار
مقالات

حكاية أمة ترفض الانكسار

ترامب بين تكتيك المراوغة وضيق الخيارات..!
مقالات

ترامب بين تكتيك المراوغة وضيق الخيارات..!

الإطار التنسيقي تحت المساءلة: أين موقف الحكومة من التصعيد واستهداف الحشد؟!
مقالات

الإطار التنسيقي تحت المساءلة: أين موقف الحكومة من التصعيد...

Almaalouma

المعلومة: وكالة اخبارية عامة مستقلة، تتميز بالجرأة والموضوعية والمهنية والتوازن،شعارها، خبر ﻻ يحتاج توثيقا، لدقة وتنوع مصادرها الخاصة وانتشار شبكة مراسليها

الأقسام

  • ترندات
  • أخبار
  • مقالات وكتاب
  • فيديو
  • كاريكاتير

روابط مهمة

  • سياسة الخصوصية
  • من نحن
  • اتصل بنا

تابعونا