أحذروا المخطط الأمريكي .. العبث بالحدود بوابة المخاطر .؟
في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتسارع تحولاته تعود الحدود <العراقية-السورية> لتتصدر واجهة التحديات الأمنية والسياسية ليس بوصفها مُجرد خط جغرافي ، بل بأعتبارها مساحة تداخل مصالح وصراع إرادات بين قوى دولية وإقليمية ، ومع تكرار الضربات الصهيوأمريكية التي تستهدف مواقع قريبة من الشريط الحدودي مع سوريا ، تتصاعد التساؤلات داخل العراق حول طبيعة هذه العمليات وأبعادها الحقيقية وأنعكاساتها على السيادة والاستقرار الوطني .
تُبرر واشنطن هذه الضربات ضمن إطار “الدفاع عن النفس” وحماية قواتها المُنتشرة في المنطقة ، خاصة في مواقع أستراتيجية مثل “قاعدة عين الأسد و قاعدة التنف ” ، مؤكدة أنها تستهدف فصائل مُسلحة تصفها بأنها مدعومة من إيران ، في المقابل تنظر بغداد إلى هذه العمليات بوصفها أنتهاكاً لسيادتها ، لا سيما عندما تُطال تشكيلات أمنية منضوية ضمن المنظومة الرسمية ، الأمر الذي يضع الحكومة العراقية أمام مُعادلة دقيقة بين التزاماتها الدولية وواجبها في حماية قرارها السيادي .
الواقع الميداني يكشف أن الشريط الحدودي بين < العراق و سوريا > لم يعد مُجرد منطقة أمنية تقليدية ، بل تحول إلى نقطة أرتكاز في توازنات إقليمية أوسع ، فهذه المنطقة تُمثل ممراً حيوياً يربط جُغرافيا النفوذ بين أطراف مُتعددة ، كما أنها كانت تاريخياً مسرحاً لنشاط الجماعات الإرهابية وعلى رأسها تنظيمات القاعدة و داعش الأرهابي ، ومن هنا فإن أي خلل في منظومة السيطرة الأمنية على هذه الحدود قد يفتح ثغرات خطيرة ، ليس فقط على المستوى العراقي ، بل على مستوى أستقرار المنطقة ككُل .
في هذا السياق ، تبرز مخاوف من أن يؤدي أستمرار الضربات ، وتعدد الفاعلين إلى إضعاف التنسيق الأمني الميداني بما قد ينعكس سلباً على الجهُد الاستخباري والانتشار العسكري على الأرض ، فالمعركة ضد الإرهاب رغم تراجع حدتها مُقارنة بالسنوات الماضية ، لكنها لم تُحسم بشكل نهائي ولا تزال تعتمد بشكل كبير على تماسك الجبهات الأمنية ووحدة القرار العملياتي .
أما على المستوى الاستراتيجي ، فإن قراءة السلوك الأمريكي في المنطقة لا يمكن فصلها عن منظومة مصالح أوسع تتداخل فيها أعتبارات الأمن والطاقة والنفوذ الجيوسياسي ، فالعراق ، بحكم موقعه وموارده ظل عبر العقود ضمن دوائر الاهتمام الدولي وهو ما يفرض على صانع القرار العراقي التعامل بواقعية سياسية عالية ، توازن بين الانفتاح على الشراكات الدولية والحفاظ على الاستقلال الوطني .
وفي خضم هذا المشهد يتطلب الموقف العراقي مُقاربة هادئة لكنها حازمة تقوم على تعزيز السيادة عبر أدوات الدولة الرسمية ، وتفعيل القنوات الدبلوماسية لضبط إيقاع العلاقة مع مُختلف الأطراف ، كما أن توحيد الخطاب الداخلي ، وتحصين الجبهة الوطنية يظل عاملاً حاسماً في تقليل فرص الاستغلال الخارجي لأي تباينات داخلية .
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل الانزلاق نحو التصعيد غير المحسوب بقدر ما تحتاج إلى إدارة ذكية للأزمات ، تستند إلى قراءة دقيقة للمعطيات ، وتُغلب منطق الدولة على ما سواه ، فالعراق الذي دفع أثماناً باهظة جراء الصراعات السابقة يمتلك اليوم فرصة لإعادة تثبيت موقعه كدولة قادرة على حماية حدودها وصياغة قرارها .
أخيراً وليس آخراً .. إنّ حماية السيادة لا تُصان بالشعارات ، ولا بردود الفعل الآنية ، بل ببناء منظومة مُؤسساتية راسخة وقادرة ، تبدأ من إعادة ضبط أولويات الدولة في ملف “التجهيز والتسليح” ، فالمعطيات القائمة تكشف عن فجوات واضحة في هذا الجانب ، تعود إلى تراكمات من ضعف التخطيط ، وتداخل القرار السياسي ، وغياب الرؤية الاستراتيجية المتكاملة ، فضلاً عن تحديات تتعلق بالكفاءة والنزاهة في إدارة هذا الملف الحساس .؟
إنّ أستمرار هذا الخلل لا يُهدد الجاهزية الأمنية فحسب ، بل يفتح المجال أمام أختلال التوازن ، ويُضعف قُدرة الدولة على فرض سيادتها بوسائلها المشروعة ، ومن هنا تصبح المسؤولية مُضاعفة على عاتق الطبقة السياسية ، التي يقع عليها واجب الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول ، عبر تمكين المؤسسات الأمنية ، وتحصينها بالخبرة والتقنية والقرار المستقل ، فالعراق اليوم أمام أختبار حقيقي هو :
إما أن يُعيد بناء أدوات قوته وفق منطق الدولة .؟
أو يبقى عُرضةً لتجاذبات الآخرين ، والطريق إلى الاستقرار يبدأ من قرار وطني شجاع ، يضع مصلحة البلاد فوق كُل أعتبار ، ويؤسس لمرحلة يكون فيها الأمن والسيادة نتاجاً لقوة الدولة لا رهناً لتوازنات الخارج …!