السيادة والقواعد العسكرية
كتب / فؤاد البطاينة
أبدأ بالتعليق على نقاش دار حول السيادة والقواعد العسكرية في بلاد العرب، وبهذا أقول أن في هذا تعتيم على قصتنا كدول عربية مع السيادة. والسيادة هي دلالة الإستقلال الحقيقي في الدول، ويُمثل وجودها الفارق الأساسي بين الدول المستقلة والمستعمرات. والأصل أن تمارسها السلطة نيابة عن الإرادة الشعبية الحرة في ضوء المصالح الاستراتيجية للدولة، سواء كانت هذه السلطة بيد دكتاتور أو هيئة ديمقراطية. وتفقد السيادة مضمونها وجوهرها عندما يكون قرارها في لحظة ما متأثرا برغبات أو بمصالح خارجية فالأصل والمحك في سيادة الدولة أن تكون سياستها الخارجية قائمة على تجسيد الإرادة الشعبية وتحقيق المصالح الوطنية.
صحيح أن القواعد العسكرية قرار سيادي، لكنه قرار مرتبط بأهلية من يمارس هذه السيادة وبوجهتها وبتوفر شروطها في معياري الإستقلال الوطني والقانون الدولي معاً. وكل هذا يجعل من القواعد الموجودة في دول الخليج وفي الأردن والعراق معزولة عن قصة السيادة ومفهومها عندما يكون وجودها وممارستها في سياق خضوع أنظمتها لسيادة وإرادة أمريكا ومصالحها بلا قدرة على نقاش وجودها أو شروط هذا الوجود. الا ان مسألة السيادة وانتهاكها في بلادنا ليست عنوانا مرتبطأ بمجرد جزئية السماح لأصحاب القواعد العسكرية باستخدامها منطلقا لشن هجوم على دولة أخرى.
بل إنها مسألة مرتبطة بوهمية إستقلال دولنا. إنها في الواقع مستعمرات وتتصرف بمنطق المستعمرات وعضويتها في الأمم المتحدة تحايل على ميثاقها. وما احتفالها بعيد استقلالها إلا خداع لشعوبها، فليس من استقلال يُمنح منوحة. إنها مستعمرات في قالب دول منزوعة السلاح في خدمة المشروع الصهيوني الرامي لاحتلالها بعنوان تحرير أراض يهودية،،وإزالتها عن الخريطة واجتثاث الإسلام من جذوره. وما عبودية حكام هذه الدول وانفرادهم بتسخير دولهم وأجوائها وإعلامها ومقدراتها لخدمة حرب الصهيو أمريكي على خلفية إزالة عقبة إيران أمام تنفيذه لمشروعه، إلا تفسير لواقعها وواقعهم كحكام عليها مجندين برتب مختلفة، حملة أعلاها يقودهم أدناها.
أما ما يجري الآن من حراك سياسي متلاطم في إطار الحرب، فمهما كان هدفه فهو التفاف على هزيمة أمريكا أمام إيران.هزيمة وضعتها كدولة عظمى ووضعت نظام الإستكبار الغربي الإمبريالي الذي تقوده على الصليب في مأزق وجودي مهين. وإيران ترفض ابتلاع هذا الحراك السياسي وترفض تقبل أي احتمال سلبي له. فصمودها اليوم يضع العالم في لحظة حقيقة لم تكن في حسابات الحواسيب. إيران تتقبل التفاوض بيد عليا وبشروط الغالب على المغلوب. إنها في حرب “وجود سيادي” غير متكافئة مع قوى استعمارية مما يبرر لها استخدام كل السياسات وكل الوسائل المتاحة أمامها بلا محذورات ولا محظورات.
ترامب أمام خيارات صعبة وليس أمامه مما يستطيع الإعلان عنه سوى فرض قواعد اشتباك قاتلة للعالم وهي استهداف الطاقة الإيرانية وهو يعلم بأنه استهداف لا يتجزأ وأن ورقة الطاقة هي الورقة الإيرانية التي تطال الطاقة بكل انواعها ومنشآتها في المنطقة الى جانب مضيق هرمز، والورقة الوحيدة التي تنطح فيها إيران تفوق أمريكا العسكري وتحيّده، وتُجيش ضغوطات العالم عليه وتحول الحرب العسكرية إلى حرب اقتصادية خانقة، وتمكنها بالتالي من التحكم بزر استمرار الحرب أو وقفها. وأخال إيران جاهزة لمواجهة وإقناع العالم بحقيقة أن العدوان عليها أدخلها في حرب وجودية غير متكافئة عسكرياً وبأنها لن تسمح للغزاة ولا للعالم أن يحرمها من حقها في إسقاط كل الخطوط الحمر دفاعا عن وجودها بحرية وسيادة عندما ترى هذا العالم يقف متفرجاً منتظراً نهايتها. فقرار المصير المجهول للعالم هو اليوم بيد مجتبى وترامب
ولذلك فنحن نشاهد ترامب يزاوج تهديده غير المواتي له وللعالم مع تسييره لألاف الجنود للمنطقة في مغامرة اقتحام بري مجنونة قد لا تتم إلا بمشاركة خليجية لتكتمل خيوط المؤامرة في وجهها الأخر. والحسابات الإيرانية في هذا لا أراها بأقل من تحولها الى فيتنام محدّثة، بينما هذا لن يقبله العالم ولا أمريكا الدولة والشعب على جثة الطاقة عصب حياة العالم، وفي المحصلة ومع صمود إيران لا مناص من التفاوض القائم على دفع أمريكا والكيان استحقاقات فشل عدوانهم على إيران.
وفي الختام، هناك حقائق انقلابية ستتكرس في المنطقة إذا توقفت لحرب بإيران صامدة وأمريكا خائبة وأهمها.
– تكريس إيران دولة إقليمية رئيسية وسيدة للإقليم
– تعرية أمريكا وقدراتها ومسرحياتها في بعض دول أمريكا اللاتينية لإرهاب حكام العرب تحديداً.
– تراجع عصر الكيان ومشروعه في المنطقة العربية وتراجع موجة التطبيع مع التمرد التدريجي على الكيان في إطار أطماعه القائمة..
– اشتعال الوعي في صدور أنظمة العرب العميلة وغير العميلة على أنها واهمة وبأنها تدفع الجزية لأمريكا لتودي بنفسها قبل أن تودي بدولها. ونزوع هذه الدول للتسلح
– اشتعال الوعي وروح الإنتفاض في صدور الشعوب العربية على سياسات دولها التي أذلتها وأفقرتها لأسباب كاذبة.
– إعادة وضع القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين على الأجندة العربية، وإعادة النظر بشيطنة المقاومة الفلسطينية
– إعادة النظر في علاقة الأنظمة العربية بإيران وترتيب هذه العلاقة في سياق جديد يتجاوز أمن الخليج إلى أمن الإقليم.