لجنة تحت الضغط: بوابة جديدة للتدخل أم وصفة للفوضى؟
كتب / محمد الصادق …
لم يكن الإعلان عن تشكيل لجنة تنسيق عراقية–أمريكية حدثاً عابراً يمكن المرور عليه بهدوء. ففي بلد أنهكته الصراعات والتجاذبات الدولية، تبدو أي خطوة تحمل طابع “التنسيق الأمني” مع واشنطن محمّلة بأسئلة ثقيلة، بل ومخاوف مشروعة من أن تتحول إلى مدخل جديد للتدخل الخارجي.
اللافت أن هذه اللجنة تأتي في توقيت حساس، حيث تتصاعد الأصوات الشعبية المطالبة بإنهاء الوجود الأجنبي، وتتعاظم المخاوف من انزلاق العراق مجدداً إلى ساحة صراع بالوكالة. وهنا، يبرز التساؤل: هل نحن أمام لجنة لتنظيم الأمن، أم أداة لفرض معادلات جديدة تُدار من خارج الحدود؟
الحديث عن “منع استهداف المصالح الأمريكية” قد يبدو في ظاهره إجراءً احترازياً، لكنه في جوهره يعكس أولوية واضحة: حماية الوجود الأمريكي قبل أي اعتبار آخر. وهذه المقاربة تثير إشكالية عميقة، لأن الأمن الوطني لا يُختزل في حماية طرف أجنبي، بل يبدأ من حماية سيادة الدولة وقرارها المستقل.
ما يزيد من حدة الجدل هو ما يُثار حول ضغوط أمريكية مورست لدفع بغداد نحو هذا المسار. فإذا صحّ ذلك، فإننا لا نكون أمام شراكة متكافئة، بل أمام علاقة مختلة تميل فيها الكفة لصالح طرف يمتلك أدوات الضغط السياسي والأمني. وفي مثل هذه الحالة، تتحول اللجان المشتركة من أدوات تنسيق إلى أطر تُكرّس النفوذ وتعيد إنتاجه.
التجارب السابقة في المنطقة لا تبعث على الاطمئنان. فغالباً ما تبدأ التدخلات تحت عناوين التعاون والدعم، لتنتهي بتعقيد المشهد الداخلي، وتوسيع هوة الانقسام، وإضعاف قدرة الدولة على الإمساك بقرارها. والعراق، الذي لا يزال يتعافى من آثار سنوات طويلة من الاضطراب، ليس بحاجة إلى مزيد من التعقيد.
إن أخطر ما في هذه الخطوة ليس ما أُعلن عنها، بل ما يمكن أن يُبنى عليها لاحقاً. فكل إطار “مشترك” غير واضح المعالم قد يتحول إلى منصة لإدارة صراعات خفية، أو لتصفية حسابات إقليمية ودولية على الأرض العراقية.
في المحصلة، لا يمكن فصل تشكيل هذه اللجنة عن سياق أوسع من الضغوط والتجاذبات. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل هذه الخطوة تعزز استقرار العراق، أم تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التدخل والصراع والفوضى؟ الإجابة لن تكون في البيانات الرسمية، بل في ما ستكشفه الأيام القادمة على أرض الواقع .