سماءٌ تُصان… وأخرى تُستباح: السيادة بين قرارٍ مستقلّ وارتهانٍ مُكلف
كتب/ د. باقر الأحمد …
في زمن الحروب، لا تُختبر الدول بما تقول، بل بما تسمح بمروره فوقها. قرار إسبانيا وإيطاليا إغلاق أجوائهما وأراضيهما أمام استخدامات عسكرية في الحرب المفروضة على إيران، لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل تعبيراً صارخاً عن سيادةٍ تُمارَس لا تُعلَّق. في المقابل، تبدو الصورة في الخليج العربي مختلفة: أجواء مفتوحة، أراضٍ مُسخَّرة، وقرارٌ يُقرأ—بنظر منتقديه—كامتدادٍ لإرادة خارجية أكثر منه انعكاساً لإرادة وطنية.
هنا، لا يعود السؤال: من مع الحرب ومن ضدها؟ بل: من يملك قراره حين تشتد العاصفة؟ الدول الأوروبية اختارت أن تكون “منطقة عازلة” تقلّص المخاطر وتمنع الانزلاق، فحافظت على سيادتها كخط دفاع أول. أما في بعض دول الخليج، فإن منطق التحالفات والرهان على المظلّات الأمنية حوّل الجغرافيا إلى ممرّ عملياتي، تُدار فيه السماء كأداة ضمن ترتيبات أكبر، لا كحدٍّ سياديّ صارم.
الأشدّ حساسية يظهر في العراق، حيث تُطرح مسألة السيادة بحدّتها القصوى. فحين تُستخدم الأجواء أو الأرض في سياقات عسكرية متنازع عليها، يتقدّم سؤال: هل القرار وطنيّ خالص، أم نتيجة توازنات وضغوط؟ إنّ أي انخراط—مباشر أو غير مباشر—يُعيد فتح ملف الارتهان، ويضع الدولة أمام معادلة صعبة بين مقتضيات الواقع وحدود الاستقلال.
المفارقة أن السماء، الأكثر انفتاحاً، صارت مقياس الانغلاق أو الانكشاف السيادي. فإغلاقها قرارٌ يُحصّن الداخل من ارتدادات الخارج، وفتحها—دون ضوابط واضحة—قد يُحوّل البلد إلى ساحةٍ لا إلى لاعب. وبين هذين الخيارين، تتحدّد كلفة الحاضر… وشكل المستقبل.
في المحصلة، تكشف المقارنة عن فجوةٍ في تعريف السيادة نفسها: هل هي قدرة على قول “لا” حين يلزم، أم قابلية لقول “نعم” تحت ضغط الحسابات؟ الإجابة لا تُكتب في البيانات، بل تُرسم في خرائط الطيران—ومن يملك حق الإذن… ومن يكتفي بمنح العبور .