عروض الرئيس ترامب المسرحية المهلهلة هل ستساعده على تحويل الفشل في الحرب على ايران إلى انتصار مزعوم؟
كتب / د. سعد ناجي جواد
منذ ان استطاع مجرم الحرب المدان من محكمة الجنايات الدولية والمطلوب للعدالة الدولية والصهيونية، ان يُقنع الرئيس ترامب بالمشاركة في الحرب على ايران، والعروض المسرحية والتصريحات غير الدقيقة للرئيس تتوالى، خاصة بعد ان ثبت ان الهدف الذي وُضِع للحرب، وهو اسقاط النظام في ايران خلال ايام، قد اثبت عدم صحته. فها هي الحرب تدخل شهرها الثاني، ومرشحة لان تستمر لأسابيع اطول وربما شهور.
طوال فترة الحرب خرج علينا الرئيس، ولا يزال يخرج، بتصريحات استعراضية تتماشى مع نرجسيته وحبه للاستعراض. ابتداءا، وبعد ان اخبرنا في العام الماضي انه أنهى المشروع النووي الايراني، وأيده في ذلك نتنياهو، ظهر علينا بعد الضربات الاولى ليقول ان الهجمات الامريكية-الصهيونية المشتركة قد أنهت النظام والمقاومة والمشروع النووي الايراني، وهذا طبعا لم يكن صحيحا. ثم قال انه هو من سيختار المرشد الجديد! وتحدت ايران هذا القول باختيار الشخص الذي قال السيد ترامب انه لن يكون مرشدا مقبولا من قبله. وأردف ذلك بعد ايام بعرض هزيل آخر قال فيه ان الإيرانيين يريدون ان يتحدثوا معه وانه وافق، ولم يكن هذا الكلام صحيحا أبدا وكذبته كل القيادات الإيرانية. وآخر هذه المسرحيات كان عندما هدد ايران بضرورة فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، والا فانها ستتلقى ضربات تدميرية غير مسبوقة، وقبل ان تنتهي المدة خرج وقال انه قرر تمديد المدة لخمسة ايام اخرى ليعطي المجال للجهود التفاوضية (التي لم تكن قد بدات أصلا). كل هذه الاستعراضات اثبتت انها مسرحيات هابطة نصا وتمثيلا وإخراجا. وان الحقائق هي عكس ذلك، بل وتوكّد ان الرئيس ترامب قد تورط في حرب لا معنى ولاحاجة لها امريكياً وانه عاجز لحد الان من حسمها لصالحه. ولكنه، وبسبب صفاته المعروفة، وشعوره الطاغي بانه يمتلك اكبر قوة في العالم، لا يستطيع ان يعترف ان حملته على ايران قد فشلت في تحقيق أهدافها، وانه ادخل الولايات المتحدة في حرب لا مصلحة لها بها، وان استمرارها، المصحوب بارتفاع الخسائر، بدأ يثير الشكوك حول قدرات واشنطن على فرض ما تريده على دولة من دول العالم الثالث. ولهذا نجده يمعن في زيادة الضربات الجوية على امل ان يقنع معارضيه والعالم بانه دحر طهران!
الحقيقة الأخرى ان الرئيس الأمريكي، الذي انتقد المغامرات العسكرية الأمريكية السابقة، وخاصة مغامرة احتلال العراق، والذي قال انها ما كان يجب ان تحدث، والذي ادعى انه رجل سلام، وانه سيجعل من الولايات المتحدة عظيمة ثانية، وانه أوقف العديد من الحروب في الأشهر الاولى لحكمه، قد ادخل الولايات المتحدة في مشكلتين، الاولى تمثلت بضرب القانون الدولي عرض الحائط من خلال ارسال قوات اختطفت رئيس دولة منتخب، (فنزويلا)، والثانية مهاجمة دولة (ايران) كانت داخلة معه في مفاوضات، وفي مرتين، وان المفاوضات، وحسب آراء الأطراف المشرفة عليها، كانت تسير بايجابية.
بعد نجاح الضربة الاولى على ايران في اغتيال المرشد الأعلى للدولة، (والذي أعطاه، وشريكة مجرم الحرب شعورا زائفا بالانتصار المبكر)، بدأ الرئيس عروضا مسرحية هزيلة جديدة، فقال انه سيكون هو من سيحكم ايران، (كما قال عن فنزويلا)، وبدا يقترح أسماء لتكون المرشد الجديد، وانه لن يسمح باختيار ابن المرشد السابق، وان قادة ايران يريدون التفاوض معه وانه وافق، وان ايران قد فقدت اكثر من 90% من قدراتها الصاروخية، وظل يصدر التهديدات والوعود بخفض اسعار الطاقة وغيرها، (والأسعار مستمرة في الارتفاع)، ثم ادعى موخراً ان ايران تتوسل به لكي يقبل بالتفاوض معها، وانه وافق، ثم عاد وفي نفس الحديث وقال ان على ايران ان تقبل بشروطه والا ستفتح على نفسها أبواب جهنم، ولم يسأل نفسه إذا كانت ايران تتوسل فان ذلك يعني انها قد قبلت بشروطه، فلماذا يهددها؟ ومازالت هذه العروض المهلهلة مستمرة، وكلها تنتهي بتراجعات من جانبه، وكان اخرها رفع الحظر عن بيع النفط الايراني، وقبله الروسي، بعد ان اشتدّت ازمة الطاقة وقفزت اسعار النفط قفزات عالية بسبب إغلاق مضيق هرمز، وبعد ان قال ان الاسعار ستهبط سريعا. وهو الان يواجه مشكلة داخلية تتمثل في اشتداد المظاهرات الشعبية في الولايات الامريكية الرافضة للحرب والتي اختار منظموها عنوان (لا ملوك جدد No Kings)، ودلالات العنوان واضحة.
ورب سائل يسأل لماذا هذا التخبط؟ السبب، كما تشير الاحداث والحقائق غير المعلنة، ان الرئيس الأمريكي يريد ان يكسب الوقت حتى تكتمل الاستعدادت لهجوم بري (محدود!) هدفه هو، اما انزال قوات من المارينز في احدى الجزر او على السواحل الإيرانية المطلة على مضيق هرمز او على جزيرة خرج، التي تحوي اكبر مخزون من النفط الايراني، او السيطرة على اليورانيوم الايراني، (على الرغم من عدم عقلانية وصعوبة هذا الخيار الاخير)، او جميعها في ان واحد. هذه المغامرة،ان نجحت، وهناك علامة استفهام كبيرة على ذلك، قد تحمل معها نتيجة هذه الحرب. وهناك احتمال كبير ان تفشل وان تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف، كالتي حدثت في فيتنام وافغانستان والعراق، وتنتهي بانسحاب القوات الأمريكية مهزومة. وهكذا نتيجة قد تعجل في عزل الرئيس الذي ادخل الولايات المتحدة في حرب ليس فيها مصلحة أمريكية، وانه لم يخبر شعبه بالحقيقة، فلا ايران كانت على وشك ان تصنع قنبلة نووية، ولا كانت على وشك ان تهاجم الولايات المتحدة او اوربا، وانها، وهذا هو الاهم، لم تكن تشكل تهديدا للامن القومي الأمريكي. (آخر العروض المسرحية كانت عندما قال ان ايران كانت على وشك تطوير صواريخ بعيدة المدى تصل الى اوروبا وربما اميركا!). علما بان الاخبار اكدت ان نائب الرئيس الأمريكي قد عنف نتنياهو واتهمه بان معلوماته الاستخبارية عن القوة الإيرانية لم تكن دقيقة، وانه ورط واشنطن في حرب كان يقول انها ستنتهي خلال ايام.
من ناحية اخرى لقد اثبتت المواجهة ان حزب الله، الذي ادعى الاحتلال انه (دمره ومزقه وأفقده انيابه ودمر قوته الصاروخية وقتل قادته)، قد خرج من بين الرماد كالعنقاء واستطاع ان يلقن الكيان المحتل، ولا يزال، دروسا قاسية وخسائر لا يستهان بها، وان كل القوة العسكرية التي حشدها جيش الاحتلال، ومعها الاحتياط، والقوة الجوية الضاربة، لم تستطع ان تُرعِب الحزب او ان تُوقِفه عن امطار الأراضي المحتلة بالصواريخ، واتمكن بكفاءة من ان يقف في وجه (اكبر جيش في الشرق الاوسط) ويمنعه من احتلال المنطقة التي أراد ان يجعلها عازلة ما بين حدود فلسطين ونهر الليطاني. (في اجتياح عام 1982 استطاعت قوات الاحتلال ان تصل إلى بيروت في اقل من أسبوعين).
السؤال الذي يثار هنا هو ماذا ستكون نتيجة هذا المواجهة العبثية والتي لم تحض بموافقة الامم المتحدة، وفشل فيها الرئيس الامريكي في إقناع اياً من حلفاءه الاوربيين وكندا من الاشتراك فيها؟ هناك احتمالات عديدة قد لا يخلو بعضها من خطورة. اسلم هذه الاحتمالات ان يظهر الرئيس الأمريكي فجاءة وفي عرض مسرحي جديد، كما اعتاد، ليقول انه انتصر وان ايران قد دمرت وانها تحتاج إلى عقود كي تعيد بناء نفسها، ويعلن وقف الحرب. ولكن السؤال الاهم هو هل سيقبل بهكذا هزيمة التي ستؤشر بداية النهاية ليس لمستقبله السياسي فقط، بل للإمبراطورية الأمريكية، والتي ستعيد للأذهان حرب السويس عام 1956 التي ان أنهت الإمبراطورية البريطانية؟ ثم كيف سيتعامل مع شريكه في الجريمة، والمُصِر على الاستمرار بالحرب خدمة لمصلحته السياسية البحتة؟ والاحتمال الاخر، والأخطر، هو هل سيلجأ اياً من الطرفين، وخاصة نتنياهو، إلى استخدام السلاح النووي بعد ان فشلت كل الالة العسكرية في تحقيق أهدافهما؟ خاصة وان الشخصين عرفا بتهورهما وعدم استعدادهما للقبول بالهزيمة بسهولة.
ويبقى هناك ملاحظة او سؤال أخير للإخوة في الخليج العربي، (الذين ازدادت شكواهم من المواقف العربية غير الداعمة لهم في محنتهم الحالية وهم يعرفون جيدا الاسباب)، هو اما آن الأوان لإعادة الحسابات وإغلاق السفارات الصهيونية وقطع اي علاقة مع كيان الاحتلال، بعد ان ثبت ان هذه العلاقة لم تجلب لهم سوى الأضرار، وان كل الاموال التي استثمروها مع الطرفين (الامريكي والصهيوني)، لم تستطع حماية دولهم، وان يدركوا ان حماية امنهم تبقى مهمتهم هم بالذات بالتعاون مع أشقائهم العرب والمسلمين؟