عندما ينظر الإيرانيون للحرب كفرصة؟!
كتب / سعيد البدري...
الحرب بالنسبة للجمهورية الإسلامية، وإن كانت حربا دفاعية، لكنها ليست مجرد رد فعل على عدوان صهيو-أمريكي، بل هي إنهاء لحالة عداء مفروضة ومعززة بكراهية مغلفة بأطر أيديولوجية وقومية وعقائدية أمريكية – صهيونية – خليجية.
نعم، إيران تجد في الحرب إضافة لأنها تهديد وجودي، فهي فرصة لإعادة ترتيب الأوضاع في غرب آسيا، وهدفها الأوضح هو تقليص الوجود الأمريكي عبر استنزاف طويل يفرض كلفة أعلى من القدرة على التحمل.
في هذا السياق تبرز أهمية ورقة مضيق هرمز، والتي تستخدمها سياسيا واقتصاديا أكثر منه عسكريا، فالتلويح بها يكفي لإرباك أسواق الطاقة ورفع الكلفة، وهذا في حقيقته تكتيك إيراني أثبت نجاعته، والمتوقع أن إدارته المستقبلية ستكون خيارا استراتيجيا، وهو أمر يجعل كلمة طهران هي العليا في إنهاء هذه الحرب، كما ستكتب فصلا حاسما من فصول الهزيمة المدوية للأمريكيين.
أكثر من ذلك، أن المضيق سيوظف مستقبلا في الصراعات المحتملة، وسيبقى العقبة التي تمنع أي جهة طامعة من اللجوء إلى المواجهة المباشرة مع إيران.
على الضفة الغربية للخليج، يحاول مشايخ الدويلات البترولية تجنب الاعتراف بالواقع الجديد الذي طالما حاولوا منع حدوثه، والسبب أن علو كعب إيران وتعاظم قوتها وسيطرتها سيسهمان في حرمان هذه الدويلات من التحكم بسوق النفط التي سعت لامتلاكها بضوء أخضر أمريكي منذ سبعينيات القرن الماضي، مقابل أن تمد بنوك ومصانع أمريكا بالفائض من مبيعات النفط.
ما يعني أن هذه الدويلات كانت تتوجس من حصول هذا السيناريو الذي بات أقرب إلى التحقق.
فلا مستقبل أمام من تلاعبوا بالمنطقة، وسينتظرهم مستقبل قاتم بمجرد خروج إيران من العقوبات، والتي ستتحرر منها بإرادتها ونصرها لا بقرار أمريكي. فهذه العودة تعني ظهور لاعب قوي في سوق الطاقة يحسن ممارسة لعبة التواجد مع الكبار ويفهم أسرار القوة والنفوذ.
الأهم أن إيران لا تكتفي بالعودة إلى السوق، بل تسعى للتأثير في قواعده، بما في ذلك تقليل الاعتماد على الدولار. وهنا يتجاوز الصراع البعد العسكري إلى إعادة تشكيل موازين الاقتصاد في المنطقة.
فما عملت عليه السعودية والكويت قبيل بداية حرب الثماني سنوات، ولاحقا الإمارات وقطر، سينتهي بخسائر على أكثر من مستوى، وقد يلجأ مشايخ البترول إلى الارتماء بأحضان نتنياهو لتعويض فراغ الحليف، وذلك بعد أن يقرر ترامب الهرب من المستنقع الإيراني.
نعم، إيران هي الطرف الذي سينهي الحرب بشروطها، وأولها تحجيم النفوذ الأمريكي العسكري والاقتصادي الدولاري، وربما سيعلن القطب الصيني أنه قادم ليلعب دورا أكثر وضوحا في رسم التوازنات.
وهنا أعتقد أن على الصينيين المساهمة بإعمار ما دمرته الحرب في إيران كمكافأة لدولة إيران وشعبها على موقفهم المنتصر للكرامة بإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية.
فإيران التي ضحت بجيل من القادة الثوريين الشجعان قدمت في هذه الأيام والأسابيع ملحمة صمود استعدت لها لسنين طويلة، وأثبتت أن ما لم تجرؤ على فعله روسيا والصين بات أمرا واقعا، وهي بذلك تعيد تشكيل خريطة العالم وترسم توازناته الجديدة.