ضجيج الارتباك الأميركي حول المفاوضات، وحقيقة الموقف الإيراني الراهن..!
كتب / سعد صاحب الوائلي
= قراءة تحليلية للخطاب الإيراني بشأن موضوعة المفاوضات
= عراقجي وضع النقاط على الحروف بشأن الموقف الإيراني الراهن
= ثبات الموقف الإيراني منذ اليوم الأول للحرب وحتى الساعة
زوبعة التصريحات، والتصريحات المتضاربة، والتقاطعات، والتناقضات، التي يبديها ليس فقط الرئيس الأميركي و وزير حربه هيغسيث، بل حتى رؤوساء الأركان الاميركان بشأن وجود مفاوضات بينهم وبين الإيرانيين، حتى القاصي والداني من المعنيين الاميركيين كان يرى (نهاية طريق الحرب)، او (النور في نهاية النفق) ، ومرة (يلوح) ترامب بثقة بانه سوف يسحب قواته من المنطقة لانتهاء جميع أهدافه من الحرب ضد ايران..
وسوى ذلك من هالة التصريحات المفرطة بالتفاؤل المصطنع بغية تهدئة جنون أسعار النفط التي ضربت الاقتصاد الأميركي بمقتل لا منجى منه.
بالأمس، وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بدد كل الضباب الذي غطى حقيقة الموقف الإيراني بشأن موضوعة التفاوض مع الجانب الأميركي، وواضعاً ابعاداً لم تتخطاها طهران منذ اليوم الأول للحرب وحتى الساعة بشأن رهانات التهدئة التي تروم اليها.
عراقجي، وفي لقاءات وتصريحات لعدد من القنوات والمصادر الإعلامية بينها قناة الجزيرة القطرية، وضع النقاط على الحروف، في مسعى لإيضاح حقيقة الموقف الإيراني الثابت واللازم تلبيته قبيل اية مفاوضات ممكنة مع الجانب الأميركي.
فقد جرد عراقجي قائمة المطالبة الإيرانية اللازم توفرها من اجل اكتمال شرائط المفاوضات، حيث لم يترك مجالاً لأيّة تأويلاتٍ أميركية تُظهِرُ أنَّ الموقف الإيراني قابل للتليين تحت تأثيرات الضغوط العسكرية المعتمدة بتكثيف القصف العشوائي للمنشأت الحيوية والمدن السكنية، ولا حتى تحت ضغوط إقتصادية.
تصريحات وزير الخارجية الإيراني جاءت بمثابة تفكيكٍ منهجي لفقاعة التصريحات الأميركية المفرطة، وما تركته من خلطٍ متعمدٍ أو غير متعمدٍ لحجم ما يجري بالفعل بين الإيرانيين والأميركيين، والذي لا يتجاوز بحبوحة “تبادل الرسائل” دون الاقتراب من ضفة أيّة “مفاوضات” يمكن التعويل عليها، بل مازالت المجريات في سياق “التهدئة التكتيكية” ، وانتظاراً لإشتراطات تحقق “الحل الشامل” الذي تبغيه طهران.
في خضم تصريحات عراقجي، إنبرى بقوة قاطعاً الطريق أمام ايّة تسريبات لوسائل إعلام غربية عديدة بشأن وجود مفاوضات سرية بين واشنطن وطهران، مؤكداً بضرس قاطع: أنَّهُ “لا توجد مفاوضات مع الولايات المتحدة حاليًا”، ونافياً حتى وجود أي قناة تفاوض غير رسمية.
هذا النفي القاطع لم يكن مجرد تكرارٍ لموقفٍ سابق، بل جاء في إطار الحسم في مسألة الخلط بين المفاوضات والاتصالات، حيث أقرَّ الوزير الإيراني بوجود “تبادل للرسائل عبر وسطاء أو مباشرة”، واصفاً إياها بأنها مجرد “تحذيراتٍ وتقديراتِ موقف”، مشدداً أنها لا يمكن ان ترتقي لتكون تفاوضاً.
هذا التمييز الدقيق يعكس إستراتيجيةً إيرانية واضحة مفادها: إبقاء القنوات مفتوحة لإدارة التصعيد، مع ترك خيطٍ لإبلاغ الخصم منعاً لسوء التقدير، دون الدخول في أي التزامات تفاوضية، يحتم ان تُقرأ في واشنطن كعلامة ضعفٍ أو انكسارٍ تحت وطأة الحرب.
الأكثر إتضاحاً في تصريحات عراقجي، كان كشفه من أن طهران لم ترد حتى الساعة على جردة المقترحات الأميركية المسماة بـ(خطة الـ15 بندًا)، ولم تقدم ايران أي شروط رسميةٍ مقابل تلك الجردة الأميركية.
وعلى ما يبدو، فإن هذا الصمت الإيراني هو صمتٌ مقصود، صحيح أنه يبدو بظاهره مجرد تجاهلٍ، غير ان جوهرَهُ يستبطن أداة ضغطٍ تفاوضية غير معلنة من طراز رفيع.
فطهران تريد إيصال رسالة مفادُها أن الحرب والقصف العشوائي للمدن وللمصالح الحيوية للبلاد، وتنامي لهجة التهديد والوعيد لا تحصد بمجملها لواشنطن ولا ذرة من التنازل الإيراني، فالرد الإيراني، حين يتبلور، فسيكون في إطار شروطٍ كبرى معلنة سابقاً وراهناً.
ولعل إيضاحات الوزير عراقجي التي لا تقبل التأويل، تزيل أمام الجميع أية إلتباسات قد تفهم من زوبعة الارتباك الأمريكي بشأن موضوعة المفاوضات، مجدداً ” رفض طهران لأي وقفٍ جزئيٍ لإطلاق نار” أو “تهدئةٍ تكتيكية”.
مشدداً أن إيران لا تبحث عن سيناريو وقفٍ لإطلاق النار كما تروج له الإدارة الأميركية كمنفذ للخروج من مستنقع التصعيد، بل تريد “حلًا شاملًا للصراع الإقليمي”.
عراقجي، أعاد الشروط التي كانت قائمة منذ بداية الحرب، وأنها تتجاوز بكثير حدَّ (وقفٍ لإطلاق النار) بمقاييس أميركية، مشيراً حتمية ان تتضمن جردة التفاوض شروطاً ترتضيها طهران.
عراقجي، بين ان هذ الشروط يستوجب ان تتضمن: ” ضمان عدم تكرار الهجمات”، “وتعويضات عن الأضرار”، بل تتعدى ذلك وفق التقديرات السياسية إلى المطالبة بإغلاق قواعد أمريكية إقليمية، الى جانب إعادة ترتيب الاشتراطات السابقة بالنسبة للملاحة في مضيق هرمز.
ومؤكد ان هذه الشروط الإيرانية، تضع واشنطن أمام مفترق طرقٍ غاية في الصعوبة، فإما القبول بترتيباتٍ إقليمية جديدة تعترف لإيران بدورٍ استراتيجي جديد في المنطقة، او الاستمرار في حلقةٍ باهضة التكاليف من القصف الأميركي الإسرائيلي لأهداف ومصالح حيوية ومدنية في العمق الإيراني، وهو ما يشكل ضغطاً متزايداً على الإدارة الأميركية، وعلى شعبية ترامب المتردية أصلا في الداخل الأميركي.
ما يخلصُ من هذا السياق، أن التشدد الإيراني في هذا الملف لا يمكن فهمُهُ دون التعريج على قراءاتٍ سابقة مما تراكم لدى الجانب الإيراني من نكث العهود والمواثيق من قبل ترامب، حيث أوضح عراقجي، أن : “تجربة التفاوض السابقة مع أمريكا لم تكن جيدة البتة”. وهذا الاستحضار لتأريخ التفاوض مع الاميركيين تفوح منه رائحة غدرٍ من غسيل واشنطن القذر في هذا المضمار.
لم يدخر عراقجي جهداً بتذكير العالم بتجربة تنصل ترامب من الاتفاق النووي السابقة (5+1)، والذي افضى الى منصة تهدئة وطمأنينة بين ايران والعالم.
ناهيك، عن تأجيج الحرب الأخيرة، وطهران تلتئم حول طاولة تفاوضٍ مع الاميركيين، كُلُّ ذلك يُشكّل خلفية الفهم الإيراني للموقف الحالي، فطهران تتعامل مع أي مسار تفاوضي محتمل من منطلق تراكمي، إذ تعتقد أن التفاوض تحت القصف أو تحت شعار ” الضغوط القصوى” ليست سوى وسيلة أمريكية لاستنزاف أوراقها القوية.
على اية حال، ما يمكن ان يستخلصه المراقبون من الموقف الإيراني الأخير، والذي بيَّنه وزير الخارجية الإيراني عراقجي، هو أن طهران تعتمد استراتيجية “نفي التفاوض مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة”، كما انها تراهن على رفع سقف الشروط إلى مستوى يجبر الجانب الأميركي للرضوخ اليه، في ظل المستجدات الميدانية الراهنة، التي ليس آخرها تطورات مضيق هرمز. ومؤكد ان هذه المراهنة الإيرانية تجيد استخدام الرسائل دون الوصول الى عتبة التفاوض مع الاميركيين، ومعتمدة على الصمود العسكري والصبر الاستراتيجي بدل تقديم التنازلات المجانية لواشنطن.
ووفق معايير الخبراء، فإن الهدف الظاهر من هذه الاستراتيجية ليس إغلاق باب الدبلوماسية، بل تحسين شروط طهران التفاوضية مستقبلا، بشكل يعيد رسم خارطة المكاسب، دون أن تُضطر إيران للظهور بمظهر المفاوض الضعيف.
من هنا، فإن التصريحات الأميركية المتفائلة التي تتحدث عن قرب صفقة أو انسحاب وشيك، إرتطمت بعد تصريحات عراقجي الأخيرة، بجدار إيراني صلب، تمت صياغته بطريقة حائك السجاد الذي تمرس التأني والصبر لكسب نتائج مبهرة.
فطهران لا تريد إنهاء الحرب وفقاً لمقاسات ترامب وهيغسيث المتعجلة، بل تريد تسوية إقليمية جديدة ترسم قواعد اللعبة بملامح إيرانية لمرحلة ما بعد الحرب، وهو ما يعني أن مشهد المفاوضات، إذا ما تحقق، فسيكون بغاية التباين والاختلاف عما يجعجع به ترامب وهيغسيث خلف المايكرفونات، بل سيكون وفق ميثاقٍ محكمٍ ترسم أبعاده مستجدات المعركة وبإشتراطات إيرانية منصفة دون ضجيج.