المعادلة الإسرائيلية: المجازر قبل التهدئة
كتب / كريستينا شطح
تُظهر التجربة التاريخية لسياسة العدو الإسرائيلي تجاه لبنان ونزاعه مع حزب الله نمطًا متكررًا وواضحًا: التصعيد العنيف قبل أي تهدئة أو وقف لإطلاق النار، مع استهداف مناطق مأهولة بالمدنيين كأداة ضغط سياسي واستراتيجي. ففي عام 1996، وقبل انتهاء عملية “عناقيد الغضب”، ارتكبت إسرائيل مجزرة قانا التي أودت بحياة عشرات المدنيين الذين كانوا قد لجأوا إلى مركز تابع للأمم المتحدة، وذلك في إطار حملة عسكرية واسعة على جنوب لبنان، بهدف استعراض القوة وفرض شروط سياسية قبل أي تهدئة، وإرسال رسالة تحذيرية إلى حزب الله والمجتمع اللبناني مفادها أن أي مقاومة ستُقابَل بردٍّ مدمّر.
وفي عام 2006، وقبل توقيع اتفاق وقف الحرب، كررت إسرائيل نمطًا مشابهًا، حيث استهدفت القرى والمدن في جنوب لبنان وضواحي بيروت، بما في ذلك مناطق مأهولة بالمدنيين ومرافق حيوية، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى. وقد جاء هذا التصعيد كوسيلة ضغط تهدف إلى إجبار الحكومة اللبنانية وحزب الله على القبول بشروط وقف الحرب وفق رؤية إسرائيلية استراتيجية تسعى إلى إعادة رسم الموازين السياسية والميدانية.
أما في عام 2024، وقبل إعلان وقف إطلاق النار في نهاية شهر نوفمبر، فقد كرّست إسرائيل هذا النهج من خلال سلسلة غارات جوية استهدفت أكثر من اثنتي عشرة قرية في سهل البقاع وضواحي بيروت أواخر أكتوبر، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، وذلك قبل نحو شهر من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر.
وقد تواصل هذا التصعيد خلال الحرب التي اندلعت في أوائل شهر مارس من العام الحالي، مع قصف شقة سكنية في تلال عين سعادة شرقي بيروت قبل يومين من موجة الغارات الكبرى، ما أدى إلى مقتل عدد من المدنيين وإصابة آخرين، في مؤشر على أن الهدف لم يكن مجرد توجيه ضربة عسكرية إلى حزب الله، بل خلق ضغط نفسي وسياسي داخل المجتمع اللبناني بأسره.
إن القصف الذي طال مناطق مأهولة بالسكان في بيروت ومحيطها، بعيدًا عن خطوط المواجهة التقليدية، أظهر بوضوح أن الصراع لم يعد يقتصر على الجنوب وحدوده، بل أصبح يمس الحياة اليومية للمدنيين، ويسعى إلى خلق انقسامات داخل المجتمع اللبناني في محاولة لدفعه نحو توترات داخلية خطيرة، وهو ما برز صراحة في تصريحات عدد من المسؤولين الإسرائيليين. فالمشهد الداخلي ينقسم بين من يطالب الحكومة باتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الحزب، ومن يرى أن استمرار تمسك حزب الله بالسلاح يعرّض المدنيين لمزيد من الخطر، وبين من يعتبر أن إسرائيل دولة عدوانية لا تحتاج إلى ذرائع لممارسة عدوانها. وبهذا المعنى يصبح الضغط على الحزب مزدوجًا: داخليًا عبر الرأي العام والضغوط المجتمعية، وخارجيًا عبر التهديد المباشر لمواقعه وقدراته العسكرية.
وفي هذا السياق، برزت في الأيام الأخيرة روايات تداولتها صفحات ومواقع عبرية تحدثت عن أن بعض الضربات الأخيرة على لبنان جاءت بناءً على طلب جهات سياسية لبنانية، بهدف توجيه ضربات قوية خارج بيئة حزب الله لإثارة غضب الرأي العام اللبناني ضده. وبغضّ النظر عن مدى صحة هذه الادعاءات، فإن نشرها بحد ذاته يندرج ضمن أدوات الحرب النفسية والإعلامية، إذ يسعى إلى تعزيز الشكوك داخل المجتمع اللبناني وإظهار الصراع وكأنه مرتبط بصراعات داخلية بقدر ما هو مواجهة مع إسرائيل، الأمر الذي يساهم في تعميق الانقسام الداخلي وإضعاف البيئة السياسية الداعمة للمقاومة.
إن تصعيد الأمس في بيروت، الذي أودى بحياة أكثر من مئتي شهيد ومئات الجرحى، يمثل امتدادًا واضحًا للمنهج الإسرائيلي التاريخي نفسه، القائم على استخدام القوة الجوية المكثفة لاستهداف المدنيين والمرافق الحيوية كأداة غير مباشرة لتفتيت الدعم الداخلي لحزب الله وإجبار الحكومة اللبنانية على تنفيذ قراراتها بحقه، في وقت يبقى فيه الجيش الإسرائيلي متجنبًا مواجهة برية شاملة نظرًا لتعقيدات الميدان ومحدودية قدراته على الحسم البري. وبهذا الشكل تتحول الخسائر البشرية إلى جزء من استراتيجية أوسع لإعادة فرض المعادلات السياسية والميدانية وإضعاف الحزب داخليًا وسياسيًا.
وفي المحصلة، يكشف هذا التسلسل التاريخي أن ما يحدث في بيروت ليس مجرد قصف عشوائي أو استهداف لمراكز حزبية، بل هو جزء من سياسة إسرائيلية ممنهجة تقوم على الضغط المزدوج: العسكري والنفسي والسياسي، بهدف إيصال رسالة مفادها أن استمرار المقاومة المسلحة قد يترجم مباشرة إلى خسائر بشرية فادحة داخل المجتمع المدني. وهكذا يجد لبنان نفسه أمام تحديات وجودية متشابكة داخليًا وخارجيًا، حيث تصبح كل خريطة للدمار جزءًا من خطاب القوة والاستراتيجية، وتتداخل السياسة بالحرب في معادلة يدفع المدنيون ثمنها الأكبر.