مليارات تُصرف وواقع لا يتغير
رغم الميزانيات الضخمة التي أُقرت على مدى السنوات الماضية، ما زال ملف الخدمات في العراق يشكّل أحد أبرز أوجه الفشل الحكومي، حيث يعاني المواطن يوميًا من انقطاع الكهرباء، وسوء شبكات المياه، وتردّي البنى التحتية، في مشهد يثير تساؤلات حقيقية: أين تذهب كل هذه الأموال؟
تشير الأرقام الرسمية إلى أن العراق أنفق مئات المليارات من الدولارات منذ عام 2003، جزء كبير منها خُصص لقطاعات خدمية أساسية. ومع ذلك، لا تزال المدن تغرق في مشاكلها القديمة، دون حلول جذرية أو تحسن ملموس. هذا التناقض بين حجم الإنفاق وضعف النتائج يكشف خللًا عميقًا في إدارة الدولة.
أول أسباب هذا التدهور يكمن في الفساد الإداري والمالي، الذي تحوّل إلى منظومة متكاملة تستنزف الموارد وتعرقل أي مشروع إصلاحي. فالمشاريع غالبًا ما تُحال إلى شركات غير مؤهلة، أو تُنفذ بشكل جزئي، أو تُترك دون إكمال، فيما تضيع الأموال بين الصفقات المشبوهة والمحسوبيات.
إلى جانب الفساد، يأتي غياب التخطيط الاستراتيجي كعامل أساسي آخر. إذ تفتقر المؤسسات إلى رؤية طويلة الأمد، وتعتمد في الغالب على حلول مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة. فمشاريع الكهرباء، على سبيل المثال، تُعاد صياغتها كل بضع سنوات دون الوصول إلى استقرار حقيقي في الإنتاج والتوزيع.
كما أن الصراعات السياسية تلعب دورًا كبيرًا في تعطيل المشاريع، حيث تتحول الوزارات إلى ساحات نفوذ للأحزاب، تُدار وفق مصالح ضيقة بدلًا من خدمة الصالح العام. هذا التداخل بين السياسة والإدارة يؤدي إلى بطء التنفيذ، وتداخل الصلاحيات، وغياب المحاسبة.
ولا يمكن إغفال ضعف الرقابة والمساءلة، حيث نادرًا ما يُحاسب مسؤول عن فشل مشروع أو هدر المال العام، ما يشجع على استمرار الأخطاء نفسها دون رادع. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الفساد خيارًا قليل المخاطر مقارنة بحجم الأرباح.
ورغم قتامة المشهد، يبقى الأمل معقودًا على إصلاحات حقيقية تبدأ من تفعيل دور القضاء، وتعزيز الشفافية، وإشراك الكفاءات الوطنية بعيدًا عن المحاصصة. فالعراق لا يعاني من نقص في الموارد، بل من سوء إدارتها.
إن تحسين الخدمات في العراق ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب قرارًا سياسيًا شجاعًا يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. فبدون ذلك، ستبقى الميزانيات أرقامًا على الورق، وسيبقى الواقع كما هو… بل ربما أسوأ.