ارتباك المفاهيم وعقم المشهد السياسي..!
كتب / رياض الفرطوسي
يواجه الواقع المعاصر تحدياً يتجاوز مجرد التأخر في تشكيل الحكومات أو تسمية الشخوص؛ إنه تحدٍ يرتبط في جوهره بـ “المفهوم” وقدرته على صناعة الواقع.
إن أولى خطوات الإصلاح في التجارب الإنسانية الرائدة كانت تبدأ دائماً من إعطاء الكلمات معانيها الحقيقية، لأن المفهوم عندما يُحرف يصبح سلطة بحد ذاته، ويتحول الخروج عليه إلى خروج عن الأطر القانونية المتعارف عليها.
نحن اليوم أمام نظام يتسم بالانغلاق البنيوي، حيث تُتداول السلطة ضمن دوائر محددة تعيد إنتاج الأزمات نفسها، مما يجعل أي محاولة للتغيير من خارج هذا السياق تبدو وكأنها تغريد خارج السرب، رغم أن الجوهر الحقيقي للسياسة يجب أن يكون لخدمة الإنسان وضمان حقوقه الطبيعية.
في المقاربة بين النظم المستقرة والواقع القلق، نجد فجوة عميقة في تعريف “حق المواطنة”؛ فبينما تبدأ حقوق الإنسان في مجتمعات أخرى منذ اللحظات الأولى للتكوين الجنيني، حيث الدولة ترعى الفرد كقيمة عليا دون النظر لعرقه أو معتقده، يجد الفرد في بيئاتنا نفسه غارقاً في صراع مرير مع مفاهيم مثل “المحاصصة” و”التوافقات” التي أصبحت مع مرور الزمن عرفاً أقوى من الدستور نفسه.
إن هذا “القاموس” الذي تشكل عبر التراكم لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج عقل سياسي يحتاج إلى نقد ومراجعة شاملة، فعندما تغيب المؤسسات الراسخة، يحل محلها الضجيج وتصبح العملية السياسية عبارة عن عرض مسرحي مكرر يفتقر إلى روح الإبداع أو الحلول الواقعية.
إن معضلة اختيار القيادات في مثل هذه الظروف لا تخضع لمنطق الكفاءة بقدر ما تخضع لتعقيدات العلاقات الخفية والتوازنات الدولية والإقليمية.
وبسبب غياب مدرسة سياسية وطنية واضحة المعالم، نجد أن التوقعات لا تبنى على أسس علمية أو دراسات استراتيجية، بل تترك للمصادفات أو للأحداث الطارئة وغير المتوقعة.
إن التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى قد تأتي من تفاصيل صغيرة لم تكن في الحسبان، خاصة في البيئات التي يغيب فيها النسق المنطقي المنهجي.
لذا، فإن الخروج من هذه المتاهة يتطلب شجاعة في نقد “العقل السياسي والاجتماعي” معاً، والبحث عن حلول تنبع من صلب احتياجات الناس، بعيداً عن صخب الشعارات والمصالح الضيقة، لكي لا نبقى رهن صدفة قد تغير وجهاً ولكنها لا تغير واقعاً.