الضمير والعرب في محكمة الذات العليا
كتب / أسامة عبد الأمير البدران
حين نقول إنّ فلانًا «بلا ضمير»، فإننا لا نطلق حكمًا عابرًا بقدر ما نُشير إلى اختلالٍ عميق في توازن الغرائز داخل النفس الإنسانية؛ إذ تكون الغريزة الاجتماعية قد انحسرت أمام سطوة الغريزة الفردية المتوحشة. فالأنانية ليست طارئة على الإنسان، بل هي أقدم ما استقر في بنيته الفطرية، حتى لكأنها الأصل الذي لم يحتج إلى تعليم أو تهذيب، بل يمكن النظر إليها بوصفها ذلك «الحيوان الكامن» الذي لا يزال يتحرك في أعماقنا، يوجّه رغباتنا الأولى ويؤسس نزعاتنا البدائية.
أما الغرائز الاجتماعية، فإنها ليست كذلك؛ إذ هي وليدة التراكم والتلقين، تُكتسب عبر الزمن وتُصاغ داخل الجماعة، ولا تمتلك قدم الغريزة الأولى ولا رسوخها. ومن هنا يتعلمها الإنسان بالمحاكاة، والاقتداء بالنسق الجمعي، عبر الدين والعادات والتقاليد والأعراف، بل وحتى عبر المؤسسات التربوية والثقافية التي تصوغ وعيه. حتى مظاهر السلوك المتكلفة—كالكاريزما، والمونولوج، والطباع الاجتماعية المصطنعة—ليست إلا أقنعة رقيقة تُغلف جوهر «الأنا» الكامنة في الداخل.
وهذا الوجدان المركّب هو الذي يدفع الإنسان إلى ترشيد علاقته بالمجتمع، لا بوصفه التزامًا أخلاقيًا خالصًا، بل باعتباره جزءًا من معادلة المصلحة الذاتية. وقد يشترك بعض الحيوان معنا في هذا النسق الوجداني؛ فالكلب، مثلًا، حين يرى الطعام في يد الإنسان يشتدّ شوقه إليه، ويستفزه الجوع، لكنه لا يندفع إليه عدوانًا، بل يكبحه الخوف من العقوبة، أو الأمل في المكافأة، فيظل مترددًا بين الشهوة والخشية. وهذه الحالة من التردد هي ما يمكن تسميته بـ«الوجدان الحيواني الاجتماعي»، الذي يُحرّك سلوك الكلب داخل إطار علاقة نفعية مع الإنسان، حتى ليبدو الإنسان في منطقه الكلبي مجرد كائن من جنسه، يشاركه عالم المنفعة ذاته.
أما القط، فهو على الضفة الأخرى من هذا العالم؛ كائنٌ منفرد بطبعه، لا يخضع لمنطق الجماعة ولا يعترف بسلطة الألفة. فهو لا يتردد في اقتناص الطعام متى سنحت له الفرصة، ولا يعير اهتمامًا لمعايير الحماية أو الارتباط، ولا يسلك مسلك التبعية الذي يميز الكلب. ومن هنا يغدو إخضاعه للترويض الاجتماعي أمرًا بالغ الصعوبة، على خلاف الكلاب التي تستجيب لمنطق التكوين الجمعي بسهولة ويسر.
ومن ثم، فإن الإنسان والكلب يشتركان—بحسب تصورات الفلاسفة وأهل المنطق—في كون الضمير عندهما ليس فطرة خالصة، بل هو نتاج تفاعل بين الغريزة والتعلم. وما يعدّه المجتمع العربي فضيلةً أو رذيلة، قد يتبدل معناه في مجتمعات أخرى، إذ تتغير منظومات القيم بتغير البنى الثقافية، كما في بعض البيئات التي تقرّ ممارساتٍ يُعدّها آخرون خروجًا على النظام الأخلاقي.
ومن هنا يمكن النظر إلى الضمير بوصفه بنية مركبة تتوزع على ثلاثة مستويات:
أولها: الذات البيولوجية، وهي مجموع الدوافع الموروثة المشتركة بين الكائنات الحية، كالشهوة، والجوع، وحب التملك، والسيطرة، وهي أدنى مستويات التكوين الإنساني من حيث الدلالة الأخلاقية.
وثانيها: الذات الاجتماعية، وهي حصيلة التقاليد والأعراف والعادات، التي تشكّل إطارًا تنظيميًا لسلوك الإنسان، وتُستثمر غالبًا في خدمة مقتضيات الذات البيولوجية بصورة غير مباشرة.
وثالثها: الذات العليا، وهي ذلك البناء القيمي الذي يتأسس على الدين والمثاليات، ويدفع الإنسان نحو تجاوز ذاته، ومقاومة نزعاته الأولى، والسمو فوق حاجاته المباشرة. وهي وإن كانت تُغرس في الطفولة عبر الأبوين والمحيط، فإنها تنمو مع الزمن، وتتخذ أشكالًا متباينة تبعًا لتوازنها مع بقية الذوات، وبما لا يصطدم مع النسق الجمعي المحيط.
إن تغلّب إحدى هذه الذوات على الأخرى هو ما يرسم ملامح الشخصية الإنسانية، ويحدد موقعها بين أقرانها؛ فمن الناس من تنحدر به الغرائز فيغدو مجرمًا، ومنهم من يسمو به الوازع فيغدو قديسًا. غير أن هذا التمايز ليس مطلقًا، إذ إن الإنسان—مهما علا أو سفل—يبقى أسير هذا الصراع الداخلي بين طبقات وجوده.
فقد ترى رجلًا يقود آلة الحرب، ويقذف بآلاف القذائف على مدنٍ مأهولة، ومع ذلك يستبطن ضميرًا هادئًا مطمئنًا، إذ تمنحه ذاته الاجتماعية تبريرًا أخلاقيًا لما يفعل، تحت مسمى الواجب أو الوطنية. وكذلك المجرم التقليدي قد يصوغ لنفسه سردية تبريرية ترى في فعله ردًّا على ظلم طبقي أو اجتماعي. وهكذا تتعدد مسوغات الفعل الإنساني، بينما يظل الإنسان في جوهره سجين هذا التنازع الداخلي بين ذواته.
ويرى بعض العرب في الجزيرة أن الخطاب موجّه إليهم وحدهم، مكيين ومدنيين، دون سائر الأمم، مستندين إلى خصوصية اللسان الذي نزل به القرآن، وإلى ما تراكم من بلاغة الشعر الجاهلي في المعلقات. غير أن السؤال يتشعب: أيُّ عربٍ هؤلاء؟ وأيُّ لهجةٍ أو لسانٍ يُراد؟ أهو لسان قريش وحدها، أم عرب الشمال والجنوب، أم الساميون بتفرعاتهم من أنباط وفينيقيين وغيرهم؟
بل إن مسألة الخط تتسع لتشمل أبجديات متعددة: من المسند، إلى الجعزية، إلى اليونانية، إلى غيرها من نظم الكتابة التي عرفت بها الشعوب القديمة. فكيف يُختزل الخطاب الإلهي في حدود قبيلة أو لسان، في حين أن فضاءه التاريخي واللغوي أوسع من أن يُحصر؟
وفي هذا السياق تتداخل أسئلة البداوة والحضارة، والأعراب والبدو، كما تتداخل مفاهيم التاريخ واللغة والهوية، في محاولة لفهم النصوص المؤسسة ضمن سياقاتها الاجتماعية واللغوية، بعيدًا عن الاختزال والتبسيط.
وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا: أين تنتهي اللغة، وأين يبدأ التأويل؟ وأيّ مدى يمكن أن تبلغه الكلمة حين تُفكّ من أسرها القبلي لتدخل فضاء الإنسانية الواسع؟