بداية عصر النفاق… إنذار مبكر لخطر يتهدد العراق
كتب /
لم تمضِ ساعات على الإعلان عن مرشح رئاسة الوزراء العراقي حتى انطلقت موجة من التملق المفرط لدى بعض السياسيين والإعلاميين تجاوزت حدود الدعم الطبيعي إلى حالة من النفاق الصريح الذي لا يخدم إلا إضعاف الوعي العام وتشويه الحقيقة. فبدل أن يكون النقاش منصبًا على الكفاءة والبرنامج الحكومي والرؤية المستقبلية اندفع البعض إلى إطلاق أوصاف مبالغ فيها وصلت حد تشبيه المرشح برموز دينية وتاريخية عظيمة في سلوك يثير القلق أكثر مما يبعث على الاطمئنان.
إن هذا النوع من الخطاب لا يعكس احترامًا للمرشح بقدر ما يكشف عن أزمة عميقة في الثقافة السياسية حيث يتم استبدال النقد الموضوعي بالتقديس الأعمى والمحاسبة بالتطبيل والواقعية بالشعارات. والأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة تُفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها الحقيقي وتعيد إنتاج عقلية الفرد الواحد الذي لا يُخطئ وهي ذات العقلية التي دفعت البلاد أثمانًا باهظة بسببها في مراحل سابقة.
المرشح لرئاسة الوزراء أيًّا كان اسمه لا يزال في مرحلة التكليف ولم يخضع بعد لتصويت البرلمان ولم يقدم برنامجه بشكل واضح أمام الشعب وبالتالي فإن الحكم عليه مدحًا أو ذمًا يجب أن يبقى في إطار العقل والمنطق بعيدًا عن الانفعالات والمصالح الضيقة. فالمناصب ليست ساحات للقداسة بل مواقع للمسؤولية والمساءلة.
إن إطلاق أوصاف دينية على شخصيات سياسية لا يُعد فقط تجاوزًا أخلاقيًا بل يمثل خطورة على وعي المجتمع لأنه يخلط بين المقدس والسياسي ويمنح حصانة وهمية لمن لم يُختبر بعد. كما أنه يضعف ثقة المواطن بالإعلام والسياسة على حد سواء حين يرى هذا الانحدار في مستوى الخطاب.
العراق اليوم لا يحتاج إلى أصنام جديدة بل إلى مؤسسات قوية ورجال دولة يُقاسون بأفعالهم لا بألقابهم. يحتاج إلى إعلام مهني يراقب ويُحلل لا يُهلل ويُصفق. فبناء الأوطان لا يتم عبر المبالغات بل عبر الصدق والشفافية والمحاسبة.
إن بداية هذا النمط من النفاق السياسي قد تكون مؤشرًا خطيرًا على ما هو قادم إذا لم يتم الوقوف عنده بحزم. فالأمم لا تنهار فقط بسبب الفساد بل أيضًا بسبب تزييف الوعي وتقديس الأشخاص. وبين هذا وذاك يبقى الأمل معقودًا على وعي الشعب وقدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف.