رسالة لرئيس الوزراء المكلف .. وازن بين الضغوط الحزبية ولا تهمش أهل الخبرة
كتب / فاضل حسين الخفاجي
يحدثنا التاريخ أن العالم كان يوماً ما مقسوماً بين قطبين ، شارلمان في الغرب ، وهارون الرشيد في الشرق . وبينما كانت ولايات وأقاليم شارلمان تغلي بالثورات والاضطرابات ، كان مُلك هارون الرشيد ينعم باستقرار مهيب رغم اتساع رقعته وتعدد أجناسه وأديانه. وفي مراسلة تاريخية بين شارلمان والرشيد ، سأل شارلمان الرشيد عن سر هذا الهدوء والاستمرارية ، فجاءه الرد بكلمات قليلة (( لأنني أحسنُ اختـيار الرجـال )) .
هذا السطر الواحد هو ما افتقدناه في المشهد السياسي العراقي ما بعد عام 2003. فالمعضلة لم تكن يوماً في ندرة الكفاءات ، بل في (سوء الاخـتـيار ) الذي طال مفاصل الدولة . فبدلاً من استحضار أصحاب الخبرة ، رأينـا وزراء وكابينات تُبنى على مقاسات الولاء الحزبي والمحاصصة الضيقة ، مما حوّل الوزارة من أداة لخدمة الشعب إلى ( إقتصاديـة ) تابعة للكتل التي جاءت بالوزير.
والمؤلم حقاً ، أن هذا المسار أدى إلى انتشار الرشى والفساد ، والعبث بمقدرات البلاد ، بعيداً عن تقاليد (رجل الدولة ) الذي يحمل هماً وطنياً أو فكرة تغـيير.
وبالعودة بالذاكرة إلى سبعينيات القرن الماضي ، نجد مفارقة عجيبة ، فقد كان الموظف البسيط بدرجة ( فراش ) مثلا .. يمتلك من الرضا والقناعة وعزة النفس . وكانت السعادة تكمن في اللقمة السائغة والانسجام مع المجتمع ، وهي قيم تكشف عمق التوازن النفسي لدى العاملين في الدولة آنذاك .
أما اليوم ، ومع شديد الأسف ، فقد تُسلم المناصب ل ( فلتاتُ الزمان والقدرٍ ) ولم يأتوا بدافع الخدمة ، بل جاؤوا بقلوبٍ يملؤها ما يطلق عليه الشارع ((عُـقـدة الحـرمـان )) . وهذه العـقـدة حين تتحكم في صاحب المنصب ، تتحول إلى طاقة تدميرية تدفعه نحو الظلم والجشع ، وتخلي قلبه من الرحمة وعقله من الاتزان ، فيسعى لتعويض حرمان الماضي على حساب مستقبل الوطن .
إن الرسالة التي نود إيصالها لرئيس الوزراء المكلف واضحة وصريحة.. الاختيار هو المفتاح. لا بد من البحث عن (( أهـل الثـقـة )) الذين يجمعون بين المعرفة بخبايا الوظيفة والنزاهة الشخصية. وبغير هذه العودة إلى (( اختيار الرجال ))، سنبقى ندور في حلقة مفرغة من النتائج المخيبة ، التي لا تليق بالعراق ولا بتاريخه.