لا عدالة في توزيع الكهرباء على المواطنين !!
كتب / د. باسل عباس خضير ...
الحقيقة التي بات يؤمن بها العراقيون جميعا دون استثناء ، أن حال الكهرباء لا يمكن أن يصلح و يبلغ المستوى المطلوب الذي يغطي الاحتياج ، وتلك الحقيقة ليست وهما او إحساسا باطلا او تحريضا على الحكومات ، وإنما من نتائج الواقع الفعلي الذي نعيشه منذ عقود وسنوات ، فبعد إنفاق أكثر من 100 مليار دولار ( حسب ما يقولون ) على الرواتب والوقود والاستثمار فان الكهرباء لا تزال تشكل معاناة وتمثل إحدى الأمنيات ، والكهرباء في العراق بكامل التجهيز بانتظام ليس بطرا او من الكماليات وإنما من الحاجة الفعلية ، فلابد من الكهرباء لحياة الإنسان في العيش بمناخ لبلد تختلف فيه درجات الحرارة عن بقية البلدان ، ففي الصيف تتجاوز الحرارة نصف درجات الغليان ، وفي الشتاء تتجدد الحاجة لانخفاض درجات الحرارة لدرجات تتطلب التكيف لها بعد أشهر من الحر ، كما إن الكهرباء ضرورية جدا لإنعاش الاقتصاد الوطني في تشغيل المشاريع بمختلف القطاعات ، وتلك الأمور باتت من البديهيات و يعلم بها الجميع وبلوغها ادخل في البرامج الحكومية ولكنها عصية عن التحقق لعدة أسباب .
ولسنا هنا بصدد تحديد الأعذار والأسباب لاستمرار مشكلة الكهرباء ، فبغض النظر والتحليل عن مكوناتها فقد اجتمعت وتفاعلت مع بعضها البعض لتنتج واقعا مفروضا نعيشه اليوم ولم يتغير الحال إلا قليلا جدا منذ عقود ، ولأرقام التي تعرضها الوزارة المعنية لا تعطي الأمل الأكيد فهي تقول إنها تنتج 28 ألف ميكا واط ، ورغم انه يخالف الرقم المعتمد من لجنة الطاقة في مجلس النواب ( 18 ألف ) ، فانه بعيد كل البعد عن الاحتياج الفعلي ، لان الاحتياج في ذروة الصيف بموجب الأحمال يصل إلى 60 ألف ميكا واط ، ويعني ذلك استحالة حصول البلد على احتياجاته لا في هذا العام ولا في الآجل القريب ، لان الجهود ( الجبارة ) التي بذلت خلال أكثر من 20 عام أوصلت للرقم المتداول ، وبين الرقم 60 و ( 28 او 18 ألف ) فجوة مقدارها أكثر من 30 ألف ميكا واط ، وتلك نحتاج لبلوغها عشرات السنوات وتخصيصات عالية يصعب توفيرها بظرفنا الحالي الذي نعتبر فيه دفع الرواتب شهريا من الانجازات ، وهي صعبة التحقق حتى بإتباع التجربة المصرية التي عالجت مشكلات الكهرباء بتكاليف اقتصادية تكفي لأكثر من 100 ألف ميكا بما انفقناه .
وبسبب نقص الطاقة الكهربائية المتاحة ، فان التجهيز يكون بأرقام تعود عليها الجمهور منها ( 1-3 و2-4 ) وغبرها التي تشير غالبا إلى إن التجهيز اقل من القطع بساعات ، مما يضطر الجميع للبحث عن البديل والبديل الصديق هي المولدات الأهلية التي ربما تنافس الوطنية في ساعات التجهيز رغم ضعف إمكانياتها وتشغيلها وإدارتها بعدد محدود ، وبسبب الإدمان على مشكلات الكهرباء فان المواطن تعود على شيئين حقيقيين ، الأول هو القبول بساعات القطع والتجهيز من الوطنية بأي واقع مفروض على أساس انه الموجود ، والثاني هو القبول بشروط واملاءات ( أبو المولدة ) من حيث تحديد الأجور خارج التسعيرة الرسمية او ضعف التيار او الانقطاع وما يسببه من إزعاج وعطلات ، والمواطنون الذين استثمروا في الطاقة الشمسية لايزال صوتهم خافتا ولا يشكلون حضورا كبيرا لأسباب ، تتعلق بارتفاع التكاليف ومتطلبات التشغيل والعمل بشكل منفرد وليس تبادليا مع الوطنية كما هو الحال في اغلب البلدان .
والأمر الذي بات مزعجا ولا ينال قبول ورضا الكثير يتعلق بعدم العدالة في توزيع الكهرباء ، فكما نعلم فان السيطرة والتشغيل للوطنية توزع الحصص على المحافظات بموجب نسب ومعايير تستند لطاقات التشغيل ، وتلك الحصص يتم توزيعها على القطاعات لتقوم بالتجهيز على المشتركين ، وهنا تكمن عدم العدالة في التوزيع على المواطنين ، فالحصص غير متساوية وغير متقاربة للجميع وفيها التمييز لصالح بعض على حساب الآخرين ، فعندما تكون حصة بغداد 3600 ميكا واط ( مثلا ) فان أكثر من نصفها وربما يبلغ 2000 ميكا واط تخصص وتجهز لعدد محدود من سكان بغداد ، تحت مسمى ( الاستثمار ) ومناطق الاستثمار في ( المنصور ، والحارثية ، زيونة والكرادة وغيرها ) ، وهي تتمتع بساعات تجهيز أكثير بكثير من بقية المناطق والقطع فيها استثناء ، ومن المعتاد أن يكون التجهيز لهم على مدار اليوم لمدة 24 ساعة وبدون انقطاع ، وما يتبقى من 3600 وهو 1600 يوزع على قواطع بغداد ( الكرخ ، الرصافة ، الصدر ) بعد أن تقطع منها الاستثناءات المعروفة للمستشفيات ووحدات تصفيات المياه وغيرها .
إن وجه عدم العدالة في التوزيع ، يكمن في التمييز بين مواطن وآخر على أساس ( مستوى ) المنطقة الجغرافية التي تسمى استثمار ، وهذه المناطق تم شمولها بعدة استثناءات و برامج من قبل ، أولها التوزيع بحصة 10 أمبير ثم تحولت ل ( الخصخصة ) واليوم تعيش كهرباء رغيد بمسمى الاستثمار ، والاستثمار ليس بجهود ونفقات شركة معتمدة وإنما بالاقتطاع من حصة الآخرين وبتمويل من ثروات الجميع ، ومن الغريب إن يتم هذا التمييز بين مواطن وآخر بقبول وزارة الكهرباء ، وهو غير مقبول عندما يكون المجهز بغطاء الحكومة وفيه امتيازات تحت مسميات ، وهو قبول عندما تكون فيه العدالة ، فمنذ سنوات ومناطق إقليم كردستان تتمتع بتجهيز عالي من قبل شركات معتمدة و التجهيز عندهم لا يسير بنفس طريقة ( بغداد ) باستقطاع جزء من الحصة العامة لفئات محددة ، وإذا كان العذر يتعلق بدفع واستيفاء أجور الكهرباء ، فان النسبة الكبيرة من السكان يقومون بالتسديد المنتظم ولكنهم يجهزون ب( القطارة ) ، ومن باب العدل والإنصاف إعادة النظر بالطريقة التي يتم بها التجهيز ، اقلها من باب ( العدالة في الظلم ) كما يقولون .