المربي الخوارزمي.. من يربي أبناءنا فى الغرف المغلقة؟
كتب / قياتي عاشور ...
فى مشهد يومي بات مألوفاً وتكرارياً داخل بيوتنا، يخيم صمت ثقيل على الأسرة؛ الأبواب مغلقة، والوجوه تضيئها شاشات الهواتف الذكية، والجميع منعزل في عالمه الافتراضي الخاص. ظاهرياً، يبدو البيت هادئاً ومستقراً، لكن القراءة السوسيولوجية المتعمقة لهذا الصمت تكشف عن زلزال عنيف يضرب أركان عملية التنشئة الاجتماعية من جذورها؛ ففي تلك الغرف المغلقة، هناك "مُربٍّ جديد" يتولى صياغة عقول أبنائنا وتوجيه سلوكياتهم دون استئذان، ودون رقابة حقيقية.
تاريخياً، احتكرت مؤسسات التنشئة التقليدية، كالأسرة، والمدرسة، ودور العبادة، والنادي، مهمة غرس القيم، وتشكيل وعي الأجيال، وتمرير الموروث الثقافي. أما اليوم، وفي ظل سيولة العصر الرقمي، فقد تراجعت هذه المؤسسات أو أُجبرت على الانسحاب التدريجي لصالح فاعل اجتماعي جديد شديد الشراسة والتأثير: "الخوارزميات". لم تعد منصات التواصل الاجتماعي، مثل تيك توك وإنستجرام، مجرد وسائل بريئة للترفيه وتمضية أوقات الفراغ، بل تحولت إلى "مؤسسات تنشئة بديلة" وحاضنات فكرية تحدد للشباب والمراهقين معايير الجمال، ومفاهيم النجاح، وأنماط الاستهلاك، بل وتصيغ لهم لغتهم اليومية وطريقة تفاعلهم مع الواقع المحيط.
تعتمد هذه المنصات في عملها على ما يمكن تسميته سوسيولوجياً بـ"الاستعمار الإدراكي"؛ حيث يعكف الذكاء الاصطناعي على مدار الساعة على دراسة نقاط ضعف أبنائنا، ورصد مخاوفهم، وتتبع رغباتهم الدفينة عبر كل ضغطة زر أو ثانية يقضونها أمام مقطع ما. ثم يقوم بتفصيل محتوى موجه بدقة متناهية لاختراق دفاعاتهم النفسية وإبقائهم في حالة من التخدير الرقمي المستمر. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد تضييع للوقت، بل عن هندسة عكسية للقيم الاجتماعية؛ حيث يُصبح "التريند" الزائف هو المرجعية الأخلاقية والهدف الأسمى، وتتحول "المشاهدات" والإعجابات إلى المقياس الوحيد للقيمة الذاتية ومكانة الفرد.
هذا التحول الجذري يفسر لنا بوضوح تصاعد ظواهر سلبية مثل الهشاشة النفسية، وتآكل الثقة بالنفس، والاغتراب داخل الأسرة الواحدة، فضلاً عن تسليع العلاقات الإنسانية التي باتت تُقاس بمدى التفاعل الرقمي وليس العمق الوجداني. لقد تحول أبناؤنا من مواطنين فاعلين إلى مجرد "بيانات" و"مستهلكين" في سوق رأسمالية الانتباه.
لقد حان الوقت لندرك كآباء، ومربين، وصناع سياسات، أننا أمام تحدٍ وجودي يمس أمننا المجتمعي في صميمه. إن استعادة الأسرة لدورها الريادي لا تعني مصادرة الهواتف أو إعلان الحرب الخاسرة على التكنولوجيا، بل تتطلب الانتقال العاجل من مرحلة "الأمية الرقمية" والمنع المطلق، إلى مرحلة "التربية النقدية". علينا أن نعلم أبناءنا كيف يقرأون ما وراء الشاشة، وكيف يفرزون المحتوى بوعي، وأن نخلق مساحات حقيقية للحوار المشترك داخل البيت تكسر هذا الصمت المفزع وتستعيد دفء العلاقات. الخوارزميات لا تنام ولا تتوقف عن العمل، وإذا واصلنا الغياب الطوعي عن هذا الميدان، فلن نلوم إلا أنفسنا حين نكتشف بعد فوات الأوان أننا نعيش مع غرباء يحملون أسماءنا، ولكنهم ينتمون لعالم هندسته الآلة.