ما الغريب في طبع 25 تريليون دينار عراقي ؟!
كتب / د . باسل عباس خضير ...
في الطوارئ والأزمات ، من السماح والمباح إن تلجا الحكومات لقرارات بالاستثناء لتمشية أمور البلاد ليس في العراق حصرا ولكن في اغلب البلدان ، والوضع الذي نعيشه من شهور في غاية الاستثناء ، فاقتصادنا ريعي ويعتمد بشكل أساس وكبير على صادرات النفط ، وهذا المورد المهم انقطع كلا ثم في جزئه الكبير بعد الحرب التي تشنها أمريكا على إيران ، وما ترتب عن ذلك في إغلاق مضيق هرمز الذي يعد الممر البحري للعراق في عبور بواخر التصدير ، ومن سوء التدبر والتخطيط فان الخطوط البرية لتصدير النفط لم تكن بمستوى التحسب للأخطار ، والنتيجة التي يفرضها الواقع هو تصدير ما لا يزيد عن مليون برميل يوميا في أحسن الأحوال ، وذلك يشكل اقل من ربع الصادرات قبل الأحداث التي كانت بحدود أربعة ملايين برميل يوميا بموجب حصة اوبك + التي أذعن لها العراق ، والقادم من هذه الإيرادات لا يغطي إلا نسبة محدودة جدا من النفقات حتى حين يترفع سعر البرميل لأكثر من 100 دولار .
وفي ظل محدودية الإيرادات وعدم كفايتها للإيفاء بالحد المقبول من المتطلبات ، فلا بد من ولوج البدائل التي تضمن استمرار الحياة لأكثر من 46 مليون من السكان ، اغلبهم يعيشون على الرواتب والمساعدات والدعم الحكومي ، اقلها لحين انجلاء الموقف الذي لا موعد ولا توقيت له ولا يزال يراوح بين الحرب والاتفاق ، ولان إيرادات النفط لا تكفي بالوضع الحالي لتغطية 25% من الرواتب ( لوحدها ) في أحسن الأحوال ، فلا بد من ولوج البدائل أما بتقليل الرواتب والنفقات او بفرض مزيدا من الضرائب والرسوم او برفع سعر الصرف او الاقتراض من هنا او هناك ، ولكل منها محاذير وتخوفات لأنها تفرض قيودا على القدرات الشرائية لغالية السكان ، وبلذات ممن يعيشون على الرزق الحلال من الرواتب او الأعمال ، وفي ظل مثل هذه الاحراجات ، فقد كان من المتوقع أن تلجا الحكومة ومن خلال سلطاتها المالية لإيجاد حلول كفوءة وفاعلة لتمشية الأمور على أن يعاد النظر بآثارها وتأثيراتها فيما بعد .
ولكل هذه الأمور ، لم تكن تصريحات معالي وزير الخارجية فؤاد حسين غريبة عن الأسماع عندما ذكر في لقاء متلفز بان العراق لجا لطبع 25 تريليون دينار لأنا نعيش الأزمة المالية باستمرار الحرب ، ولكن الذي اثار تساؤل البعض هو أن تكون إحاطة الجمهور علما بهذا الإجراء من خلال سياق الحديث في ذلك اللقاء وليس ببيان او إعلان رسمي ، كما انه طرح تساؤلات عن أسباب إحجام البنك المركزي العراقي المسؤول عن إدارة الدينار عن ذكر الموضوع ، وعدم صدور أية إشارات من وزارة المالية كونها الجهة الحكومية التي تدير المال العام ، او اللجنة المالية في مجلس النواب التي تمثل الشعب بشؤون المال ، وعدم الإفصاح عن طبع 25 تريليون دينار لتكون حجم الكتلة النقدية 125 تريليون ليس بالأمر المخيف الذي يستحق الإخفاء ، لسبب أساس ومعروف وهو إن أكثر من نصف الكتلة مكتنزة وخارج التعامل المصرفي لعدة أسباب ، منها تتعلق بقناعات أصحاب النقود وأخرى تتعلق بضعف الثقة بالنظام المصرفي الحكومي والأهلي .
والبعض يعتقد إن طبع مزيدا من العملة الورقية يتسبب في زيادة الطلب على الدولار وارتفاع الأسعار في الأسواق ، وكثيرون يبدون قلقهم من العودة لسياسات التعويم بما يجعل الأمور تجري على منوال ما يسود النقد في بلدان الجوار ، والبنك المركزي العراقي ينفي ما تقدم جملة وتفصيلا ، فقد اصدر توضيحاً ( قبل قليل ) ، بشأن "طباعة العملة" ، وأشار فيه إلى إن هناك فرقا جوهريا ومهماً بين "خصم حوالات الخزينة" و"طبع العملة" على الصعيدين الفني والاقتصادي ، فخصم الحوالات يوفر سيولة ماليةً مؤقتة مقابل أداة دين حكومية قائمة ، ويسترد عند استحقاق الجوالة ، أما "طباعة العملة" فهي إصدار نقود جديدة بلا مقابل يُضخ في الاقتصاد مباشرة ، مما يفضي إلى تضخم مباشر وتآكل في قيمة العملة ، كما أنه لا يعاد استرداده ويمثل عبئاً نقدياً دائماً ، وهو أمر محظور تماماً بموجب قانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004م ، وعليه فإن التوصيف المبسط للعمليات الجارية على أنها "طباعة العملة" لا يعكس طبيعتها الفنية والمالية الحقيقية ، وما بين تصريح المعالي وتوضيح المركزي العراقي ، تتوسع فجوة الغرابة في الموضوع !! .