مزادات النخاسة..!
كتب / رياض الفرطوسي ||
في فضاء منصات التواصل الاجتماعي، وضجتها الرقمية التي لا تهدأ، تداول ناشطون مؤخراً مقطعاً ومادة خبرية (لم تؤكدها أو تنفها الجهات الرسمية بشكل قاطع ) حول مشهد سريالي صدم المتابعين، يتحدث عن شخص يحاول بيع مواطن باكستاني علناً في سوق الغزل بقلب بغداد، حيث تزدحم الأرصفة بضجيج الطيور والحيوانات الأليفة.
وسواء كانت هذه الواقعة حقيقةً أمنية جرى احتواؤها، أو مجرد شائعة وصناعة محتوى تهدف لإثارة التفاعل والاشمئزاز، فإن تحولها السريع إلى “تريند” يتصدر الاهتمام العام يحمل في عمقه الرمزي دلالات خطيرة؛ إذ لا يمثل مجرد حدث معزول، بل هو “مرآة مكبرة” تفضح عاهة بنيوية في الوعي الجمعي.
فالمجتمع الذي انتفضت كرامته فجأة خلف الشاشات لرفض فكرة بيع فرد واحد، هو ذاته المجتمع الذي يتعايش يومياً، ببرود مريب وتبلد كامل، مع مشهد بيع شعب بأكمله، وتجريف تاريخه، ونهب نفطه، وتفكيك أركان دولته نهاراً جهاراً.
هذه المفارقة تحيلنا مباشرة إلى مفهوم “التطبيع مع الكارثة” الذي فككته المفكرة الفلسفية حنة آرندت في أطروحتها الشهيرة عن “تفاهة الشر”. ترى آرندت أن أشد أنواع الشرور خطورة ليس ذلك الذي يرتكبه ساديون غريبو الأطوار، بل ذلك الذي يتحول بفعل التكرار والاعتياد إلى “إجراء إداري روتيني” لا يثير دهشة أحد.
إن سرقة المليارات في بلاد الرافدين، وتحويل مؤسسات الدولة إلى دكاكين ومغانم تتقاسمها قوى المحاصصة، صار جزءاً من “السيستم” اليومي، حدثاً مألوفاً يمر خلف شاشات التلفاز كحالة الطقس.
أما الحديث عن بيع إنسان في سوق الطيور، فهو حدث يقع “خارج السياق المعتاد للمألوف”، ولأن العقل البشري يستهلك طاقة أقل في استنكار الأحداث الفردية الصادمة مقارنة بتحليل الكوارث الهيكلية المعقدة، فقد استنفر المجتمع هويته الأخلاقية لمحاصرة المشهد الافتراضي لبائع الباكستاني، بينما غض الطرف عن “باعة الأوطان” الذين يقودون مزادات الخراب في المنطقة الخضراء وخارجها.
هذا الانفصام في الوعي يعود في أصله إلى غياب “نقد العقل السياسي”، والاهتمام بـ “الأعراض” بدلاً من “المرض” ذاته. لقد تحول الخطاب الفكري والسياسي في العراق بعد عام 2003 إلى مجرد وظيفة هامشية : التعليق على نشرات الأخبار، وإحصاء أرقام السرقات، والوقوع في شرك الثنائيات العقيمة (مع أو ضد السلطة).
إن السلطة في حقيقتها ليست مجرد أجهزة أمنية ومبانٍ حكومية، بل هي “بنية ذهنية وطريقة حكم”؛ وطالما أن هذه البنية لم تخضع لمحاكمة نقدية جذرية تفكك نسق الاستبداد والغنيمة، فإن الأزمة ستظل تعيد إنتاج نفسها في حلقة مفرغة.
إننا نميل سيكولوجياً إلى “محاكم المشانق والرصاص”؛ نبتهج إذا سقط فاسد أو أُزيح طاغية، لكننا نكتشف في اليوم التالي أن “النهج” ذاته قد فرّخ وجوهاً جديدة طالما أن العقل المنتج للخنوع لم يتغير.
تاريخياً، لم تنهض الأمم التي مرت بكوارث كبرى إلا بعد أن امتلكت نخبتها شجاعة “الحفر في الأعماق” بدلاً من الطفو على السطح. في بريطانيا، وبعد الحرب الأهلية المروعة في القرن السابع عشر، لم يكتفِ المجتمع بإعدام الملك تشارلز الأول، بل ذهب فلاسفة مثل جون لوك وتوماس هوبز إلى تفكيك مفهوم “العقد الاجتماعي” وإعادة صياغة العقل الذي يدير السلطة والثروة.
وفي التجربة العربية المعاصرة، حاول مفكرون مثل محمد عابد الجابري في مشروعه “نقد العقل العربي” التنبيه إلى أن العطب يكمن في النظم المعرفية والموروثات الثقافية التي تبرر الاستبداد وتجعل المجتمع يرى في الحاكم “مالكاً للرقاب” وفي الثروة العامة “فيئاً وغنيمة”.
حين يغيب هذا النقد الجذري، وتفرغ النخب الثقافية من محتواها الفكري لتتحول إلى أدوات تبرير أو كائنات استعراضية تحركها بورصة “اللايكات” والتفاعلات اللحظية، ينفتح الباب على مصراعيه لـ “عصر التسطيح”.
في هذا العصر، تصبح إدارة المصائر وبناء الدول مهنة مستباحة يتصدرها اللصوص والقتلة ومن هب ودب، بعد أن كانت اختصاصاً لأهل العلم والضمير والمعرفة.
يضيع التمييز بين الجوهري والهامشي، ويصبح السكوت عن تبديد مئات المليارات من دولارات النفط وتدمير أقدم الحضارات أمراً واقعاً، بينما يُعامل خبر (أو شائعة) بيع فرد في سوق الغزل كخروج فريد عن الملة والأخلاق.
إن تلك الحادثة المتداولة ليست مجرد فضيحة عابرة أو إشاعة منصات، بل هي “بيان إدانة” صارخ لخطابنا السياسي والاجتماعي.
إنها تخبرنا بوضوح: إن العقل الذي يستغرب من (احتمالية) بيع فرد ويصمت عن (يقينية) بيع شعب، هو عقل يعاني من مأزق بنيوي خانق، عقل عاجز عن النظر في المرآة ليرى تشوهاته الخاصة.
والخروج من هذه المتاهة لن يتحقق باستبدال فاسد بفاسد، أو بتبديل الطلاء الخارجي للمؤسسات المتهالكة، بل بجرأة القطيعة المعرفية مع هذا العقل الرث، وإقامة “محاكمات فكرية” للمناهج التي جعلت من الوطن ساحة مزاد علني، ومن الشعب مجرد متفرجين ينتظرون دورهم في البيع.