الإعلام العراقي بين التأثير والتأدلج..!
كتب / اثير الشرع ..
منذ عام 2003 شهد العراق إنفجاراً إعلامياً غير مسبوق، بعد عقود من إحتكار الدولة لوسائل الإعلام، فقد ظهرت عشرات القنوات الفضائية والإذاعات والصحف والمواقع الإلكترونية، وكل قناة وإذاعة ووكالة تغني وتطرب للجهة التي تمولها،
ما أعطى إنطباعاً بأن البلاد دخلت عصر التعددية الإعلامية وحرية التعبير، لكن بعد أكثر من عقدين على هذا التحول، يبرز سؤال جوهري:
هل نجح الإعلام العراقي في أداء رسالته المهنية أم أنه تحول إلى أداة للتأثير السياسي والحزبي؟
الحقيقة أن الإعلام العراقي لا يمكن وصفه بصفة واحدة فهو يضم مؤسسات مهنية تحاول الإلتزام بالمعايير الصحفية، لكنه في الوقت ذاته يعاني من ظاهرة التأدلج السياسي والتمويل الحزبي التي أثرت بشكل واضح على إستقلاليته.
غالبية المؤسسات الإعلامية الكبرى تمتلك إرتباطات مباشرة أو غير مباشرة بأحزاب سياسية أو شخصيات نافذة أو جهات إقتصادية ذات مصالح محددة، وهذا الأمر جعل الكثير من وسائل الإعلام تنظر إلى الأحداث من زاوية مصالح الجهات الممولة أكثر من زاوية المصلحة العامة، وقد إنعكس ذلك على طبيعة الخطاب الإعلامي، حيث أصبح المشاهد العراقي يلاحظ وجود روايات متعددة ومتناقضة للحدث الواحد، تبعاً للجهة التي تنقله.
أحياناً تتحول بعض المنصات الإعلامية إلى أدوات للدعاية السياسية أو للتسويق الإنتخابي أو لتصفية الحسابات بين الخصوم، بدلاً من أن تكون منابر لنقل الحقيقة، ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الإعلام العراقي يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام فقد لعب دوراً مهماً في كشف ملفات فساد، وإثارة قضايا خدمية، وتسليط الضوء على معاناة المواطنين،
كما ساهم في تشكيل المزاج الشعبي تجاه العديد من القضايا السياسية والأمنية والإجتماعية، إلا أن تأثيره ما زال أقل من قدراته الحقيقية بسبب أزمة الثقة المتنامية بين الجمهور ووسائل الإعلام، فالمواطن العراقي أصبح أكثر تشكيكاً بالمعلومات التي يتلقاها، خصوصاً مع إنتشار وسائل التواصل الإجتماعي التي أتاحت له الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومات، وأضعفت إحتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية للمشهد.
ومن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام العراقي اليوم:
♦️غياب الإستقلال المالي لدى العديد من المؤسسات.
♦️هيمنة الخطاب السياسي على المحتوى الإعلامي.
♦️ضعف التدريب المهني لبعض العاملين في القطاع.
♦️إنتشار الأخبار المضللة والشائعات عبر المنصات الرقمية.
♦️تراجع الإعلام الإستقصائي المتخصص.
♦️المنافسة الشديدة مع وسائل التواصل الإجتماعي.
أما تقييم واقع الإعلام العراقي فيمكن وصفه بأنه إعلام مؤثر لكنه غير قادر حتى الآن على تحقيق إستقلاليته الكاملة فهو نجح في خلق فضاء واسع للتعبير، لكنه لم ينجح بالقدر الكافي في بناء نموذج إعلامي وطني مهني يتجاوز الإنقسامات السياسية والطائفية والقومية.
إن مستقبل الإعلام العراقي يرتبط بقدرته على الإنتقال من مرحلة الإصطفاف إلى مرحلة المهنية، ومن خدمة الجهات الممولة إلى خدمة المجتمع، فالدول لا تبنى بإعلام يبرر الأخطاء، بل بإعلام يكشفها، ولا تتقدم بشاشات تنقل الإنقسامات، بل بمنصات تصنع الوعي وتدافع عن الحقيقة،
ويبقى الرِهان الأكبر على جيل جديد من الصحفيين والإعلاميين والمحللين القادرين على إعادة بناء الثقة بين المواطن ووسائل الإعلام، وتحويل الإعلام من ساحة للصِراع السياسي إلى رافعة للإصلاح والتنمية والإستقرار،
إن العراق اليوم بحاجة إلى إعلام وطني مهني بقدر حاجته إلى الإصلاح السياسي والإقتصادي، لأن الإعلام الواعي هو الذي يصنع رأياً عاماً واعياً، ويُسهم في حماية الدولة والمجتمع من التضليل والإنقسام.