الأخطر من مظاهر الفساد هو عملية تكريس و تطبيع الفساد !
;كتب / مهدي قاسم
و هذا بالضبط ما حدث و يحدث في العراق ، من كثرة انكشاف فضائح السرقات الملياردية الضخمة الهائلة بين اسبوع أو شهر آخر ، ثم ما يتبع ذلك من سياقات الأحاديث و الأصداء الناجمة عنها أما سخطا أو سخرية فحسب .
لتأخذ مظاهر الفساد السرطانية ، يوما بعد يوم ، شكل التطبيع القائم كحقيقة شاخصة يعتاد عليها المواطنون ، كأمر واقع ، لا مهرب منه ، كأنما يتقبلونه ضربا من قدر مكتوب ! ..
بدلا من الخروج إلى الشارع برفض جماهيري كاسح و هادر ، يُقلّب كراسي الفاسدين المخملية أعاليها إلى أسافلها و يطرد الفاسد من منصبه و يحاكم ليحل محله من هو نزيه ومستقيم أبي ــ أن وُجد إطلاقا !.
ولأن هذا الرفض الجماهيري الكاسح المطلوب و الضروري لا يحدث ـ بقدر ما يبقى عن حد التفرج السلبي التعليقات الفيسبوكية الفقاعية ، فيتحول الأمر حالة قائمة لتكون بمثابة إشارة مبطنة و تشجيع صامت لزعماء و قادة الأحزاب الفاسدة على مواصلة عملية النهب المنظمة لثروات البلاد .
نقول هذا لكوننا لم نقرأ ولا سمعنا أن قامت عصابات المافيا الإيطالية الشرسة أو الحكام الفاسدون في ” جمهوريات الموز السابقة ” في أمريكا اللاتينية بسلسلة عمليات سرقة ضخمة ومتواصلة حتى الآن ، فوق ذلك ، بكل هذه الوقاحة والصلافة العلنيتين . مثلما تقوم به عصابات اللصوص المحاصصتين في العراق بل يصل أحيانا إلى روح التحدي السافر والاستهتار العجيب كأنما اختبارا لصبر الجماهير الفقيرة ، وإرادة الوطنيين .
يبقى أن نضيف : إلى أن احد الأسباب الرئيسية الكامنة خلف السقوط المدوي للحكومة المجرية السابقة بزعامة ” فيدس ” هو الرفض الشعبي الواسع لمظاهر الفساد المتجسدة بتفضيل الأقرباء و الأصدقاء و قادة الحزب بمشاريع و مقاولات حكومية دسمة ، مما نتج عن ذلك ظاهرة الإثراء السريع و غير المشروع .
أما الحكومة الجديدة ـــ ذات الأغلبية المريحة في البرلمان ، بزعامة حزب ” التيسا ” فأنها شرعت قانونا جديدا لاستعادة الأموال المأخوذة بشكل غير شرعي ومُثير لشُبهات المحسوبية والفساد ، و ستقدمه إلى البرلمان بغية التصويت عليه ، بشكل عاجل .
فهو هو الفرق الكبير بين شعب يقظ حريص على مصالحه الخاصة و العامة و بين مجتمعات قد تبدو لا مبالية و غير مكترثة ، لا بمستقبلها ولا بمستقبل أجيالها القادمة ! .