كارلسون طَرَقَ خزّان ترامب و”بقرته المُقدسّة” إسرائيل
كتب / زهير حليم أندراوس
ـ أولاً: لا يوجد أدنى شكٍّ لكلّ مَنْ في رأسه عينان أنّ انسحاب الإعلاميّ تاكر كارلسون من الحزب الجمهوريّ بقيادة الرئيس دونالد ترامب يُعتبر زلزالاً كبيرًا ضرب القاعدة الشعبيّة للحزب، وعلى وجهٍ خاصٍّ أنّ الاستقالة، التي جاءت بعد 35 عامًا من دعم الحزب، أتت في وقتٍ حرجٍ للغاية للجمهوريين، الذين سيذهبون إلى صناديق الاقتراع في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) للانتخابات النصفيّة في الكونغرس الأمريكيّ.
ـ ثانيًا: قبل الولوج في سبر أغوار هذه الاستقالة وتداعيتها وأبعادها وَجَبَ التأكيد: يُعد الإعلامي الأمريكيّ البارز، تاكر كارلسون اليوم من أكثر الشخصيات الإعلاميّة المحافظة تأثيرًا في الولايات المتحدة، وقد ازدادت شعبيته الرقميّة بعد مغادرته شبكة (فوكس نيوز) واعتماده على منصات التواصل والإعلام المستقل، وبحسب أحدث الأرقام المتاحة حتى منتصف عام 2026، يتمتع كارلسون بقاعدةٍ جماهيريّةٍ ضخمةٍ على عدة منصاتٍ: منصة (إكس)، تويتر سابقًا، نحو 16.7 مليون متابع. يوتيوب نحو مليونيْ مشتركٍ في قناته الرسميّة، مع أكثر من 575 مليون مشاهدة تراكمية. إنستغرام: حوالي 6.5 مليون متابع، وبذلك يتجاوز إجمالي متابعيه على هذه المنصات الرئيسيّة 25 مليون مليون شخصٍ.
ـ ثالثًا: يقول المُفكِّر والباحث الفلسطينيّ، د. إبراهيم علّوش: “بات تاكر كارلسون بالذات يشكّل صداعًا رهيبًا للوبي الصهيونيّ في الولايات المتحدة، إذ إنّ مداخلاته المؤثّرة لا تقتصر على قصة إبستين، بل تحوّلت إلى صراعٍ مفتوحٍ مع رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، واللوبي الصهيونيّ. وما أدراك ما تاكر كارلسون! نتحدّث عن 21 مليون متابعٍ بين منصتي (يوتيوب) و(أكس)، مع العلم أنّه لا يمتلك قناةً رسميّةً على (يوتيوب)، بل يعتمد على أنصاره في إعادة توزيع موادّه”. ويُتابع د. علّوش:” وبالنسبة لمعلّقٍ سياسيٍّ، يتناول شؤونًا جدّيةً، ويتخذ مواقف تُعدّ خلافيّة، فإنه يعدّ حاليًا أقوى مؤثّرٍ في اليمين الشعبوي، ومن أقوى المؤثّرين سياسيًا باللغة الإنجليزيّة، وعندما يخوض كارلسون إذن حربًا مفتوحةً ضدّ دعم إسرائيل، وضدّ الأثر الصهيونيّ في المشهد السياسيّ الأمريكيّ، ويرفع صوته معترضًا على الجرائم الصهيونيّة في غزّة، فإنه يحقّق اختراقاتٍ عميقةٍ في جدار الوعي الزائف الذي ما برحت تصقله وسائل الإعلام الرئيسيّة المُسيطَر عليها صهيونيًا”.
ـ رابعًا: كارلسون مؤثر جدًا إعلاميًا، لكنه ليس زعيمًا حزبيًا منتخبًا، لديه ملايين المتابعين، وكثير منهم يثقون بتحليلاته أكثر من ثقتهم بقيادات الحزب التقليديّة، لذلك من الممكن أنْ يؤثر على المزاج السياسيّ لشريحةٍ من الجمهوريين، خاصّةً الشباب والمحافظين الانعزاليين الذين يعارضون الحروب الخارجيّة. في المقابل، الحزب الجمهوريّ اليوم يدور بدرجةٍ كبيرةٍ حول ترامب النرجسي والديكتاتوريّ، وحتى بعد الخلافات العلنية بين ترامب وكارلسون، أظهرت تحليلات حديثة أنّ قاعدة ترامب بقيت متماسكةً إلى حدٍّ معينٍ، وأنّ شخصياتٍ بارزةٍ غادرت الحزب لم تُحدث حتى الآن موجة انشقاقات واسعة.
ـ خامسًا: من منطلق الاستقامة الفكريّة نؤكِّد في هذه العُجالة أنّ ليس كل متابعي كارلسون جمهوريين، فجزءٌ من جمهوره يتابعه لأنّه ناقد للمؤسسة السياسيّة أوْ للإعلام التقليديّ، وليس بالضرورة لأنّه جمهوريٌّ ملتزمٌ، لذلك لا يمكن افتراض أنّ 20 أو 25 مليون متابع سيتحركون سياسيًا معه في الاتجاه نفسه، ولكن في اعتقادنا المتواضع فإنّ الخطر الحقيقيّ على الجمهوريين ليس انتقال المتابعين إلى الديمقراطيين، بل عزوفهم عن التصويت. فإذا اقتنع جزءٌ من جمهور (أمريكا أولًا) بأنّ الحزب الجمهوريّ لم يعد يمثلهم، فقد يمتنعون عن المشاركة في الانتخابات النصفية أو الرئاسيّة، وهو ما قد يكلف الحزب أصواتًا حاسمةً في الولايات المتأرجحة. وقد ألمح كارلسون نفسه إلى هذا الاحتمال عندما قال إنّ خروجه قد يعني خروج كثيرين معه. ربّما لن تُحدث استقالة كارلسون وحدها زلزالًا داخل الحزب الجمهوريّ، لكنّها قد تصبح مؤثرةً إذا تحولت إلى تيّارٍ منظمٍ يضُمّ شخصياتٍ أخرى مؤثرةٍ مثل مارغوري تايلور غرين أوْ مات غيتس أوْ شخصياتٍ إعلاميّةٍ محافظةٍ كبيرةٍ، عندها قد نشهد انقسامًا حقيقيًا داخل معسكر (ماغا) نفسه.
ـ سادسًا: في نيسان (أبريل) الماضي نشرت وزارة شؤون الشتات الإسرائيليّة، التي يقودها الوزير المتطرّف والعنصريّ، عميحاي شيكلي، تقريرًا يُقدّم صورةً وصفتها بالمُقلقة لتصاعد معاداة الساميّة حول العالم، ويُحدّد التقرير التوزيع الجغرافيّ للأحداث حسب الدولة، كما يُفصّل أسماء الشخصيات العشر الأكثر تأثيرًا في الساحة المعادية للساميّة والصهيونيّة في العالم عام 2025، والذين تمّ اختيارهم بناءً على خطورة أفعالهم وتصريحاتهم ونطاق نفوذهم. يضم التقرير اسم الإعلاميّ عبد الباري عطوان، الناشطة المناخيّة غريتا ثونبرغ وآخرين وطبعًا وكارلسون، الذي وُجهت انتقاداتٍ لنشاطه على الإنترنت لترويجه لنظريات مؤامرةٍ معاديةٍ للسامية حول النفوذ والسلطة اليهوديّة، ولفت التقرير إلى أنّ كارلسون يُصوّر محتواه على أنّه مناهضٌ للمؤسسة الحاكمة أوْ للعولمة، ولكنّه يُكرر باستمرارٍ أفكارًا معادية للساميّة، مثل السيطرة على الإعلام والمال والسياسة الخارجيّة الأمريكيّة، مشدّدًا على أنّ جمهور كارلسون الواسع من عامة الناس يُساهم بشكلٍ كبيرٍ في انتشار المواقف المعادية للساميّة المعاصرة في الخطاب العام.
ـ سابعًا: الإعلام الصهيونيّ في دولة الاحتلال، الذي تناول موضوع استقالة كارلسون، من الزاوية المُتوقعّة جدًا، فقد اتهمه للمرّة الألف بأنّ يُعادي الساميّة. وكتبت صحيفة (معاريف) العبريّة: “في مقابلةٍ حافلةٍ بالاتهامات القاسية ونظريات المؤامرة يجِدْ تاكر كارلسون، المؤثر اليمينيّ البارز، نفسه مجددًا في قلب ضجةٍ إعلاميّةٍ واسعةٍ. كارلسون، الذي قطع مؤخرًا علاقاته الوثيقة مع الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب على خلفية اندلاع الحرب مع إيران، يستغِّل هذه المنصة الإعلاميّة لتوجيه اتهاماتٍ غيرُ مسبوقةٍ للإدارة الأمريكيّة، ورئيس الوزراء الإسرائيليّ، ولِمَنْ يتهمونه باستمرار بمعاداة الساميّة”.
ـ ثامنًا وأخيرًا: بعيدًا عن العنتريات، نقول إنّ كارلسون تحدّى الولايات المُتحدّة الأمريكيّة بجرأةٍ يشهد لها الخصم قبل الصديق، و”ذبح” البقرة المُقدسّة، إسرائيل، وهذا التحدّي هو بحدّ ذاته انتصارًا للإنسانيّة وللحقّ والعدل. ووفق المقولة المشهورة فإنّ الرصاصة قد تقتل شخصًا واحدًا، ولكن الكلمة قد تقتل أمّةً كاملةً، والكلام في هذا السياق عن القتل هو مجازيٌّ، لذا نجزم أنّ كارلسون اجتاز الحدود وحطّم المُسلّمات، وباشر عمليًا بمشوار الألف ميل، الذي يبدأ بخطوةٍ واحدةٍ.