edition
Almaalouma
  • أخبار
  • مقالات
  • إنفوجرافيك
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • الذكاء الاصطناعي
  1. Home
  2. مقالات
  3. زهرة النيل تنال من العراق
زهرة النيل تنال من العراق
مقالات

زهرة النيل تنال من العراق

  • 27 Jun 14:02


كتب / رمزي ميركاني
خلف تلك الأوراق الخضراء الزاهية والأزهار البنفسجية الفاتنة التي تطفو برقة فوق مياه دجلة والفرات، يختبئ عدوٌ شرس يهدد بامتصاص ما تبقى من عصب الحياة في بلاد الرافدين. زهرة النيل أو ورد النيل، تلك النبتة التي قد يراها العابر لوحة جمالية، باتت اليوم تمثل الخطر الداهم والسرطان المائي الذي يهدد البيئة العراقية، ولا سيما مع حلول شهر حزيران الحالي، حيث بلغت الأزمة ذروتها مع تحذيرات رسمية من بلوغ هذه الآفة منطقة الأهوار جنوبي البلاد، ما يعني إعلان كارثة بيئية قد لا يمكن الرجوع عنها.
ليست زهرة النيل نبتة أصيلة في التربة العراقية، بل هي غازية استقدمت من حوض نهر الأمازون في أمريكا الجنوبية، لتستقر في بيئات مائية مغايرة وتتحول إلى كابوس عالمي. تكمن خطورة هذه النبتة في قدرتها الفائقة على التكاثر السريع؛ فهي تتضاعف في فترات قياسية، مغطيةً المسطحات المائية بـ “لحاف أخضر” سميك يمنع ضوء الشمس من الوصول إلى الأعماق، ويحجب الأوكسجين عن الكائنات المائية، مما يؤدي إلى اختناق بيئي شامل ينتهي بنفوق الأسماك وانقراض التنوع الأحيائي في تلك المناطق.
والأدهى من ذلك هو نهم هذه النبتة للمياه؛ إذ تستهلك الزهرة الواحدة ما بين ثلاثة إلى خمسة ليترات يومياً. في بلد مثل العراق، الذي يعاني أصلاً من شح مائي حاد وتراجع في إطلاقات السدود وتغيرات مناخية قاسية، يصبح وجود ملايين الزهرات من هذا النوع بمثابة “ثقوب سوداء” تستنزف الحصص المائية للمزارعين والمواطنين على حد سواء.
في تطور دراماتيكي للأزمة، أطلق وزير الموارد المائية، مثنى التميمي، صرخة تحذير من وصول هذه الآفة إلى الأهوار العراقية. إن الأهوار ليست مجرد مسطحات مائية، بل هي إرث إنساني عالمي مسجل على لائحة “اليونسكو”، وموطن لتنوع بيولوجي وحضاري فريد. يؤكد التميمي أن دخول زهرة النيل إلى هذه المنطقة الشاسعة والمعقدة جغرافياً سيعني استحالة السيطرة عليها؛ فالطبيعة المتداخلة للأهوار تجعل من عمليات الاستئصال الميكانيكي ضرباً من الخيال، مما يهدد بتحويل هذه الجنة المائية إلى مقبرة خضراء جافة.
لقد اجتاحت النبتة بالفعل خمس محافظات عراقية، وتحولت جداول محافظة الديوانية، التي كانت نظيفة تماماً في العام السابق، إلى ممرات مغلقة بالكامل بفعل الزهرة. هذا “الزحف الأخضر” لم يعد مجرد قضية بيئية، بل أصبح تهديداً للأمن الغذائي والمائي، حيث تعجز المياه عن الوصول إلى نهايات الجداول، مما يحرم آلاف المزارعين من ري محاصيلهم ويقطع شريان الحياة عن القرى والبلدات.
أمام هذا التحدي، تحركت الحكومة العراقية على أعلى المستويات، حيث وضع رئيس الوزراء علي الزيدي الملف على طاولة الاهتمامات القصوى. وتتأرجح الحلول المطروحة بين الطرق التقليدية والتقنيات الحيوية. فبينما تستمر عمليات الإزالة اليدوية والميكانيكية، تبرز أصوات تنتقد هذه الطريقة وتصفها بالبدائية والمكلفة مادياً دون جدوى حقيقية، إذ تذهب مليارات الدنانير شهرياً في عمليات تنظيف لا تلبث أن تعود النبتة بعدها للظهور بقوة أكبر.
لذلك، يتجه العراق اليوم نحو “المكافحة الحيوية”، وهي استراتيجية تعتمد على إطلاق “سوسة زهرة النيل”، هذه الحشرة المتخصصة تتغذى حصرياً على زهرة النيل ولا تهاجم أي محاصيل أخرى، وهي مجازة دولياً. ويسعى العراق للاستفادة من التجربة المصرية العميقة في هذا المجال، حيث تعتزم وزارة الموارد إرسال وفد إلى القاهرة للاطلاع على آليات السيطرة على هذه الآفة التي عانت منها مصر لعقود.
في وسط هذه الأزمة، تبرز رؤى اقتصادية تحاول تحويل النقمة إلى نعمة. يقترح خبراء وناشطون بيئيون عدم الاكتفاء بحرق أو ردم النباتات المستأصلة، بل تحويلها إلى “أعلاف حيوانية”. زهرة النيل، بعد تجفيفها ومعالجتها، تحتوي على قيم غذائية وبروتينية عالية تجعلها بديلاً اقتصادياً ناجحاً للأعلاف التقليدية. هذا التوجه لا يساعد في تنظيف الأنهار فحسب، بل يدعم قطاع الثروة الحيوانية ويقلل من تكاليف الإنتاج الزراعي، شريطة الالتزام بالمعايير الصحية والتجفيف الدقيق لضمان عدم انتقال بذور النبتة مرة أخرى إلى المجاري المائية.
إن أزمة زهرة النيل في العراق عام 2026 هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة أزماتها البيئية بذكاء واستدامة. إنها معركة لا تخص وزارة الموارد المائية وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية تبدأ من وعي الفلاح والمواطن بخطورة انتشار هذه النبتة، وصولاً إلى التنسيق الدولي والبحث العلمي الرصين.

إن إنقاذ أنهار العراق وأهواره من “الاختناق الأخضر” يتطلب تجاوز الحلول الترقيعية نحو استراتيجية شاملة تجمع بين المكافحة الحيوية، والاستثمار الاقتصادي، والتعاون الإقليمي. فدجلة والفرات اللذان صنعا حضارة سومر وبابل، لا يستحقان أن ينتهيا كبرك راكدة تخنقها زهرة غازية، بل يجب أن يظلا شريانين دافقين بالحياة، بعيداً عن أطماع الجمال القاتل. إن الوقت يداهم الجميع، وبقاء الأهوار حية هو الرهان الأكبر في هذه الحرب البيئية الصامتة.

 

الأكثر متابعة

All
لولا تضحيات الشهداء لكنّا مُستعمرة

لولا تضحيات الشهداء لكنّا مُستعمرة

  • 6 May 2024
الأمية الرقمية في العالم العربي: تحديات وحلول

الأمية الرقمية في العالم العربي: تحديات وحلول

  • 11 Jun 2023
الفرق بين المؤلِف والمؤلَف

الفرق بين المؤلِف والمؤلَف

  • 2 Jan
إقامة سد في البصرة ما بين الاهمية والمعوقات

إقامة سد في البصرة ما بين الاهمية والمعوقات

  • 9 Mar 2024
كردستان في الحسابات الأمريكية.. من “الحماية” إلى «المصلحة الاستراتيجية المتبادلة
مقالات

كردستان في الحسابات الأمريكية.. من “الحماية” إلى «المصلحة...

ترامب وشراء أصوات الناخبين
مقالات

ترامب وشراء أصوات الناخبين

محاربة الإفساد طريق إنهاء الفساد
مقالات

محاربة الإفساد طريق إنهاء الفساد

المقاومة تُحبط مشروع الاحتلال.. وتضع السلطة والسفير أمام استحقاق السيادة..!
مقالات

المقاومة تُحبط مشروع الاحتلال.. وتضع السلطة والسفير أمام...

Almaalouma

المعلومة: وكالة اخبارية عامة مستقلة، تتميز بالجرأة والموضوعية والمهنية والتوازن،شعارها، خبر ﻻ يحتاج توثيقا، لدقة وتنوع مصادرها الخاصة وانتشار شبكة مراسليها

الأقسام

  • أخبار
  • مقالات وكتاب
  • فيديوهات
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • منوعات
  • انفوكرافيك

روابط مهمة

  • سياسة الخصوصية
  • من نحن
  • اتصل بنا

تابعونا