بارقة أمل.. وقرائن نحو الأفضل
كتب / القاضي المتقاعد حسن حسين جواد الحميري
ورد في الأثر: "عند تضايق حَلَق البلاء.. يكون الفرج".
وحين نُلقي نظرةً موضوعية فاحصة، بعيدةً عن الانفعال العاطفي والرغبة الجامحة في الإصلاح السريع الناجز لواقعنا المؤسساتي والاقتصادي، وصولاً إلى الإصلاح الاجتماعي العام؛ وحين ننظر إلى الخلف ـ بالتحديد قبل عقدين من الزمان ـ تنجلي أمامنا الحقائق بوضوح. لستُ هنا بصدد إضفاء صكوك الشفافية والنزاهة على المشهد الحالي إلا بعد أن تبين ثمارُه وتتأكد نتاجاته، ولكن الإنصاف يقتضي المقارنة.
قبل عشرين سنة، كان مارد الفساد الإداري يعبث بأموال الدولة بلا كبح، وكنا نشهد "مجاعة نَهْبٍ" تستبيح ثروات البلاد؛ ما فوق الأرض منها وما تحتها. كان تهريب الأموال يجري دون رقيب أو حسيب، تتلقفه العواصم الأجنبية لشراء العقارات والمصانع، أو ليتوارى في حسابات المصارف الغربية.
أما اليوم، فثمة قرائن تدل على بدء النهوض؛ قرائن تتجسد في رقابةٍ صارمة على حركة الأموال، وتفعيل كشف الذمة المالية، وملاحقة غسيل الأموال عبر إجراءات هيئة النزاهة، يقودها قضائنا الوطني الشامخ الذي أخذ على عاتقه الاقتصاص من الفاسدين والضرب على أيديهم. إن دولتنا اليوم تنفض عنها غبار كبوةٍ مريرة، وستسترد كامل عافيتها لتقف في القادم من الأيام ـ بإذن الله ـ كما نريد لها أن تكون،
إذا ضاق الخِناق على المارقين.. تكلّمت الجحور"
لجوء الفاسدين اليوم إلى طمر المليارات المسروقة في الحفر، وإخفائها في الأحراش والمزارع، ليس دليل قوة، بل هو أبلغ دليل على تشديد الخناق عليهم؛ وإعلانٌ صريح بأن الأبواب التي كانت مشرعة للمارقين قد أُوصِدَتْ بوجههم. هذه ـ في تقديري ـ علامةٌ مبشرة ببدء التعافي والخلاص النهائي من الفساد وأربابه.
إننا إذ نرقب هذه المعركة الوطنية الشرسة، نتمنى من الحكومة الحالية وجهازها التنفيذي تلمّس أسباب النجاح، والإسراع بمحاسبة الرؤوس الكبيرة، وتفعيل قانون "من أين لك هذا؟" بقوة وحزم؛ فالعالمون بباطل الأمر وظاهره يعلمون يقيناً.. أن أكثر هؤلاء المترفين اليوم، كانوا بالأمس القريب من الطبقات المعدمة!