عملية “الفجر”.. هل وصلت ساعة الكبار؟!
كتب / عامر جاسم العيداني ...
منذ عام 2003 والعراق يعلن بين الحين والآخر عن حملات لمكافحة الفساد لكن المواطن بقي ينتظر السؤال الذي لم يجد له جوابا حتى اليوم: هل ستصل يد العدالة إلى جميع المتورطين أم ستقف عند حدود معينة؟
عملية “الفجر” الأخيرة وما رافقها من اعتقال عدد من المتهمين بقضايا فساد وفي مقدمتهم عدنان الجميلي وكيل وزارة النفط أعادت الأمل لدى شريحة من العراقيين بأن الدولة بدأت تتحرك بصورة أكثر جدية لاستعادة هيبتها وحماية المال العام، لكن في المقابل أثارت تساؤلات أكبر من حجم الحدث نفسه.
فهل تمثل هذه العملية بداية تفكيك منظومة الفساد أم أنها تستهدف أفرادا بينما تبقى المنظومة التي أنتجت الفساد قائمة كما هي؟
ان تزامن زيارة توم باراك مع استعداد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي لزيارة واشنطن جاءت حملة الاعتقالات بعد ذلك بفترة قصيرة وهو ما دفع كثيرا من المحللين إلى اعتبارها رسالة إلى واشنطن بأن الحكومة جادة في الإصلاح ومحاربة الفساد. لكن هذا يبقى تحليلا سياسيا وليس معلومة مؤكدة.
ولكن حتى الان لا توجد أدلة أو تصريحات رسمية تثبت إن العملية جاءت بتوجيه أو دعم مباشر من المبعوث الأمريكي توم باراك لكن توقيتها فتح الباب أمام تحليلات سياسية متعددة غير أن الوقائع لا التحليلات هي التي ستحدد حقيقة ما يجري.
إن الفساد في العراق لم يعد مجرد موظف مرتش أو مسؤول استغل منصبه بل أصبح وفق كثير من المحللين منظومة متشابكة من المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية تراكمت عبر أكثر من عقدين ولذلك فإن اعتقال شخص واحد مهما كان موقعه لا يعني بالضرورة إسقاط المنظومة.
السؤال الأكثر حساسية هو: هل ستصل التحقيقات إلى من صنعوا شبكات النفوذ المالي والسياسي؟ وهل ستفتح ملفات مصادر الثروات الهائلة التي ظهرت خلال الأعوام الثلاثة والعشرين الماضية إذا توفرت الأدلة القانونية؟ وهل سيسأل كل مسؤول أو زعيم سياسي عن مصدر ثروته عندما تكون هناك مؤشرات تستوجب التحقيق؟
يرى كثير من العراقيين أن الفساد لن ينتهي ما دامت القوى السياسية ذاتها تتداول السلطة وما دامت موازين القوة لم تتغير بصورة تسمح بقيام معارضة حقيقية ومحاسبة فعلية. كما يرى منتقدون للنظام السياسي أن قانون الانتخابات وآليات تشكيل الحكومات أسهما في ترسيخ نفوذ قوى سياسية بعينها الأمر الذي جعل التغيير محدودا في نظرهم وأضعف قدرة الناخب على إحداث تحول جذري.
ولا يمكن إغفال أن القضاء على الفساد لا يتحقق بالاعتقالات وحدها بل باسترداد الأموال المنهوبة وإصدار أحكام عادلة وتعزيز استقلال القضاء وإصلاح القوانين وحماية المؤسسات الرقابية من الضغوط السياسية.
إن العراقيين لا ينتظرون حملة إعلامية بل ينتظرون عدالة لا تميز بين مسؤول كبير وموظف صغير ولا بين حزب نافذ وآخر خارج السلطة. فالدولة التي تحاسب الجميع على قدم المساواة هي وحدها القادرة على استعادة ثقة شعبها.
لذلك، فإن نجاح عملية “الفجر” لن يقاس بعدد المعتقلين بل بمدى قدرتها على الوصول إلى كل من يثبت تورطه واستعادة أموال العراق وفتح صفحة جديدة يكون فيها القانون فوق الجميع لا أداة تطبق على البعض وتستثنى منها فئات أخرى.