بآراء رافضة وقبول خجول ، منصة ( عقاري ) بحاجة عن حلول !!
كتب / د. باسل عباس خضير …
في الأول من تموز 2026 ، انطلقت منصة ( عقاري ) لتكون البوابة الإلزامية لتنظيم معاملات بيع وشراء العقارات ونقل الملكية ، باعتبارها خطوة مهمة في مسار التحول الرقمي الذي تشهده مؤسسات الدولة ، فالسوق العقارية تعد من أكبر الأسواق المالية في البلاد ، والتعامل بها سنوياً يعادل تريليونات الدنانير ، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى تنظيم بنظام يحقق الشفافية ويحد من حالات التلاعب والتزوير ، ومن الناحية الإيجابية ، يمكن للمنصة أن تؤسس لقاعدة بيانات وطنية دقيقة للعقارات ، وأن توثق جميع مراحل انتقال الملكية إلكترونياً ، بما يسهم في تقليل الأخطاء الإدارية ، وتسريع إنجاز المعاملات ، وتعزيز ثقة المستثمرين والمواطنين ، كما أن وجود سجل إلكتروني متكامل يساعد الجهات الرقابية على متابعة و مكافحة غسل الأموال والحد من عمليات الاحتيال والبيع المتكرر للعقار الواحد الذي من شانه تضخم الأسعار ، ولان التحول الرقمي ليس هدفاً بحد ذاته ، وإنما وسيلة لتقديم خدمة حكومية أفضل ، لذا فان نجاح منصة "عقاري" ستكون إضافة مهمة للإدارة العامة في العراق ، و المعيار الحقيقي لنجاح المنصة ، هو شعور المواطن بأن إنجاز معاملته أصبح أسرع وأقل كلفة وأكثر شفافية وأن حقوقه أصبحت مصانة بشكل تام .
ومنصة عقاري ليس اختراعا عراقيا جديدا وإنما أسلوبا متبع في العديد من البلدان ، وتعد منصة عقاري السعودية الأقدم عربيا وتستحوذ على جميع عقود بيع وشراء وتأجير العقارات ، و منصة دبي للأراضي والأملاك يتم من خلالها تسجيل البيع والشراء بالكامل ( أون لاين ) بدون مراجعة الدائرة ، إما منصة ( عقار – مصر) فإنها تنجز بإشراف وزارة الإسكان + الشهر العقاري ، وهي غير إلزامية 100% ، أما منصة (السجل العقاري – الأردن ) فإنها ترتبط بدائرة الأراضي والمساحة ومن ميزاتها ، إصدار سند الملكية إلكترونياً ويتم الكشف عن الرهن والحجز خلال دقائق وتدفع الرسوم إلكترونياً ، ورغم إن المنصات العربية تشهد تطبيقا واستقرارا منذ سنوات ، إلا إن منصتنا تشهد فتورا في الإقبال والقبول منذ أول الأيام ، فمنصات التواصل الاجتماعي تتداول عشرات المنشورات التي تتم من خلالها الدعوة للعدول عن هذه المنصة والعودة للطريقة القديمة ولهم عدة مبررات ، أولها إن المنصة ليست حكومية ولا محلية 100% إذ يتبناها اتحاد الغرف التجارية ومن خلال إحدى الشركات الأجنبية ، وثانيها إنها تكلف البائع والمشتري كثيرا من الأموال مما قد يعرض تجارة العقارات للركود أكثر ما هي عليه ، وثالثها إنها تكرس البيروقراطية وتقلص دور مكاتب العقارات إلى حد كبير .
ومنصة عقاري في نسختها الحالية ، تتطلب في أول خطواتها قيام البائع والمشتري تنظيم عقد بموجب التطبيق الالكتروني من خلال مكاتب العقارات المجازة حصرا ، ويتضمن هذا العقد ( فتح بيان الكتروني ) كل ما اتفق عليه بما في ذلك مبلغ البيع والشراء الفعلي ، ويتقاضى المكتب رسوم تبدأ من 100 ألف دينار وتتصاعد حسب مبلغ العقد يدفعها كل من البائع والمشتري ، وبعد ذلك يتم فتح البيان ورقيا وإكمال إجراءات التسجيل المتعارف عليها من خلال دوائر التسجيل العقاري حسب المناطق الجغرافية ، ووجه الاعتراض يتركز على كل من الرسوم التي تدفع للتطبيق والتي كانت مجانية من قبل ، وما سيترتب عن الإفصاح عن مبلغ العقد من ضرائب ورسوم ، فسابقا كانت الضرائب والرسوم تحسب على أساس القيمة التقديرية للعقار التي تحددها لجان التسجيل العقاري والضريبة والتي كانت اقل بكثير وربما تصل إلى ربع قيمة البيع والشراء ، وينتج عن الإفصاح تحميل البائع ضرائب لأكثر من 6% من قيمة العقار المسجل بالتطبيق وعندها تنتفي الحاجة للتقدير ، كما يتحمل المشتري رسوم التسجيل البالغة 3.5% من قيمة العقار وليس التقدير ، وكل ذلك يؤثر على حركة البيع والشراء وانتفاء دور الدلال (عندما يكون الاتفاق بين البائع والمشتري ) ، و إبقاء عشرات المكاتب خارج التطبيق ممن ليست لديهم إجازات فتح التطبيق من جهة الاختصاص .
و (الدلالين ) ليسوا أكثر الناس تضررا مباشرا من منصة "عقاري" ، وإنما المواطن الذي سيفقد كثيرا من الأموال تحت بنود الضرائب والرسوم ، فالنسب الموجودة فيهما تم إعدادها بضوء أسعار التقدير التي وضعت كوسيلة لفرض السعر المعقول ، و من المفروض تغييرها ( إلى النصف مثلا ) قبل الشروع بالتطبيق ، اخذين بعين الاعتبار إن تلك الضرائب والرسوم صماء ، ولا تميز بين الحالات باعتبارها ضريبة عقارات وليست ضريبة دخل ، فهي تستوفى على كامل المبلغ بتكرر حالات البيع والشراء على ذات العقار ، و يعتقد البعض إن المستفيد من هذا التطبيق جهات محددة ، أولها الشركة التي ظفرت بالعقد ، وثانيها الجهات المسؤولة عن متابعة موضوع غسيل الأموال فرغم إنها ليست طرفا في التطبيق ، إلا إنها ستستفيد من تتبع حركة العقارات على من تختار ، وثالثها اتحاد الغرف التجارية الذي سيكون مظلة للتطبيق ومن خلاله يفرض الشروط على من يخولهم بالاستخدام .
وحسب الآراء التي تطلق رفضا وقبول اتجاه الموضوع ، فان ولوج تطبيق عقاري أمنية كان يتمناها الكثير منذ سنوات ، وكان المفروض أن يكون انطلاقها موضع ترحيب من قبل جميع الأطراف ، ولكن يبدو أنها انطلقت في غير توقيتها وتحضيرها المطلوب ، فالعقار ( صاية وصرماية ) اغلب المالكين والراغبين بالشراء ، ومن المهم اختيار تطبيق متكامل يحقق مختلف الغايات دون أضرار ، والناس ابدوا تعاونا محترما عند التعامل مع تطبيقات ( البطاقة الوطنية ) و ( الجواز الالكتروني ) وغيرها من المعاملات ، لأنهم وجدوا إن جهاتها ينجزون أعمالهم من خلال التحضير وتكامل الإمكانيات ، ومعاملات بيع وشراء العقار متعددة الجوانب والأطراف ، و تبدأ من الدلال ثم التسجيل العقاري والبلدية والضرائب والبنوك وما يتطلبه الانجاز ، وتطبيق الحكومة الالكترونية والحوكمة تتطلب تكامل العمل الالكتروني لدى تلك الجهات بانسيابية وأتمتة لا تتطلب الانتظار لساعات ودفع الرشاوى والإكراميات ، والمواطن له حاجة فعلية للتطبيق ولكن بكامل الأتمتة وليس بفتح البيان الكترونيا ثم تعود ( حليمة لعادتها القديمة ) ، وعندما تتكون تلك المتطلبات كاملة ومتكاملة فأهلا وسهلا بالتطبيق ، وما عداه فلا باس من التريث لحين إخراج تطبيق مقبول يحظى بقبول وتفاعل كل الجهات ، ومن الممكن أن تكون البداية بالاختيار وليس الإلزام ثم التدرج بالشمول ، والقضية لا تتعلق بالدلالية ومصالحها ، وإنما بما سيترتب على ذلك من تداعيات بما فيها جيوب المواطن وحركة أسواق العقارات ، فالسكن وطن ويجب الاعتناء بمتطلباته لأقصى الدرجات دون عجلة ومنافع وتأثيرات .