edition
Almaalouma
  • أخبار
  • مقالات
  • إنفوجرافيك
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • الذكاء الاصطناعي
  1. Home
  2. مقالات
  3. جنائز صامتة للعقل .. كيف نغتال المقايضة رسالة الأكاديمي؟!
جنائز صامتة للعقل .. كيف نغتال المقايضة رسالة الأكاديمي؟!
مقالات

جنائز صامتة للعقل .. كيف نغتال المقايضة رسالة الأكاديمي؟!

  • 13 Jul 14:20

 كتب / د. راجي العوادي...

لم تكن الجامعة في يوم من الأيام مبنىً يحتضن قاعاتٍ دراسية أو مؤسسةً تمنح الشهادات فحسب ، بل كانت الضمير الذي يحرس المجتمع ، والعقل الذي يراجع أخطاءه ، والمرآة التي يرى فيها مستقبله, ومن بين جدرانها خرجت الأفكار التي صنعت نهضات الأمم ، وقاد أساتذتها معارك الوعي قبل أن تخوض الشعوب معارك السياسة والاقتصاد. لذلك ، لم يكن الأكاديمي موظفًا في جهاز الدولة ، بل صاحب رسالة ، وشاهدًا على الحقيقة ، وحارسًا للقيم التي لا يجوز أن تخضع للمساومة.
غير أن المشهد اليوم يبعث على الأسى , فقد تسللت السياسة إلى الحرم الجامعي لا بوصفها موضوعًا للدراسة والنقد ، وإنما بوصفها سلطةً تُعيد تشكيل الجامعة على صورتها, ومع هذا التسلل ، بدأت رسالة الأكاديمي تنكمش شيئًا فشيئًا ، حتى وجدنا أنفسنا أمام جامعات تتراجع فيها قيمة المعرفة لصالح الولاء ، وتُقاس فيها المكانة العلمية بميزان النفوذ أكثر مما تُقاس بحجم الإنجاز والإبداع.
لقد اكتشفت السلطة ، في كثير من المجتمعات ، أن إخضاع الجامعة أقل كلفة من مواجهة العقل الحر, فإذا خضع الأستاذ ، خضع الطالب ، وإذا صمت الباحث ، خمدت أسئلة المجتمع, ومن هنا بدأت صناعة الأكاديمي المطيع ، الذي يتقن فن الصمت أكثر مما يتقن فن السؤال ، ويحسب كلفة الكلمة قبل أن ينطق بها ، ويزن الحقيقة بميزان المصلحة.
إن أخطر أشكال الفساد ليس ذلك الذي يسرق المال العام ، وإنما ذلك الذي يسرق الضمير , فالفساد المالي يمكن تعويض خسائره ، أما فساد النخبة فإنه يبدد مستقبل أمة بأكملها , وعندما يصبح الأكاديمي أسيرًا لراتبه ، أو طامعًا في منصب ، أو خائفًا من قرار إداري ، فإن استقلاله الفكري يبدأ بالتآكل ، حتى يغدو الدفاع عن الحقيقة مخاطرة لا يجرؤ عليها إلا القليل.
وهكذا تتحول الجامعة ، بهدوء ، من فضاءٍ لإنتاج المعرفة إلى مؤسسة لإعادة إنتاج الخضوع , ويصبح الصمت فضيلة ، والمجاملة حكمة، والتبرير نوعًا من الواقعية ، بينما يُنظر إلى النقد بوصفه تهورًا، وإلى الاستقلال الفكري بوصفه خروجًا على المألوف , لكن المأساة لا تقف عند حدود الأستاذ الجامعي ، بل تمتد إلى الطالب الذي يدخل الجامعة باحثًا عن المعرفة ، فيجد نفسه يتعلم درسًا آخر لا تذكره المناهج , يرى أن الطريق إلى النجاح قد لا يمر عبر البحث والجد والاجتهاد ، بل عبر شبكة العلاقات والولاءات والمصالح , وعندما تتكرر هذه المشاهد أمامه ، تنهار صورة الأستاذ بوصفه قدوة ، ويترسخ في وعيه أن المبادئ ليست إلا شعارات جميلة تصلح للخطب ، أما الواقع فيحكمه منطق المقايضة.
وهكذا لا تُغتال الأخلاق دفعةً واحدة ، بل تموت بالتقسيط , يبدأ الأمر بصمتٍ صغير، ثم بتنازلٍ محدود ، ثم بتبريرٍ مؤقت ، حتى يصبح الانحراف قاعدة ، والاستقامة استثناءً يحتاج إلى شجاعة نادرة.
لقد نجحت منظومات الفساد في تفتيت النخب قبل أن تسيطر على المؤسسات , فأشغلت الأكاديميين بصراعات المناصب ، واستنزفتهم في معارك اللجان والترقيات ، ودفعتهم إلى التنافس على الامتيازات بدلاً من التنافس على إنتاج المعرفة, وهكذا تحولت الجامعات في بعض الأحيان، إلى فضاءات للصراع الشخصي ، بينما تراجعت رسالتها التاريخية في قيادة الوعي وصناعة المستقبل , ولا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح ما لم يبدأ بتحرير الجامعة من كل أشكال الوصاية, فالجامعة التي تخضع للحسابات السياسية لا تستطيع أن تنتج عقلًا مستقلًا ، والأستاذ الذي يخشى على موقعه لن يربي جيلًا يؤمن بحرية الفكر، والبحث العلمي الذي يُكافأ بالولاء لا بالتميز لن يصنع نهضة ، مهما تضاعفت أعداد الجامعات أو ارتفعت ميزانياتها.
إن الأمم لا تُقاس بعدد مبانيها الجامعية ، بل بمقدار الحرية التي يتمتع بها أساتذتها ، وبالقدرة التي يمتلكها باحثوها على قول الحقيقة دون خوف، وبالمسافة التي تفصل المعرفة عن السلطة, فحين تضيق هذه المسافة إلى حد الذوبان ، تفقد الجامعة معناها ، ويتحول التعليم العالي إلى إدارةٍ بيروقراطية تُنتج شهادات أكثر مما تُنتج عقولًا.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس انهيار اقتصاده أو تراجع مؤسساته ، بل أن يفقد ثقته بعقله, وعندما تصبح الجامعة جزءًا من أزمة المجتمع بدل أن تكون أداةً لحلها، فإننا لا نكون أمام أزمة تعليم ، بل أمام أزمة حضارة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع هو: من يعيد إلى الجامعة رسالتها؟ ومن يحرر الأكاديمي من خوفه ، حتى يستعيد حقه في أن يكون ضميرًا للأمة لا شاهدًا صامتًا على انكساراتها؟
فالجامعة التي تموت فيها حرية الفكر ، لا تشيع جنازة مؤسسة تعليمية فحسب ، بل تشيع جنازة العقل ذاته.

الأكثر متابعة

All
الإطار يحذر الزيدي من وقف حملة الفساد: التراجع يمنح فرصة لإعادة ترتيب الأوراق

الإطار يحذر الزيدي من وقف حملة الفساد: التراجع يمنح...

  • سياسة
  • 8 Jul
برلماني: المرحلة الحالية تتطلب رقابة نيابية فاعلة على مؤسسات الدولة

برلماني: المرحلة الحالية تتطلب رقابة نيابية فاعلة...

  • سياسة
  • 7 Jul
مصدر يكشف تفاصيل عملية اعتقال الزوبعي ونجليه في بغداد

مصدر يكشف تفاصيل عملية اعتقال الزوبعي ونجليه في بغداد

  • سياسة
  • 12 Jul
بعد رفع الحصانة عن النواب المتهمين بالفساد.. ماذا عن رواتبهم وحماياتهم وامتيازاتهم؟

بعد رفع الحصانة عن النواب المتهمين بالفساد.. ماذا...

  • سياسة
  • 12 Jul
بدلًا من البحث عن الأموال المدفونة، اجعلها تأتي إليك طوعا عبر حزمة إجراءات مؤقتة لمدة (6) أشهر..!
مقالات

بدلًا من البحث عن الأموال المدفونة، اجعلها تأتي إليك طوعا عبر...

أمريكا وتجنيد العرب ضد المقاومة بدلاً من تحرير فلسطين..!
مقالات

أمريكا وتجنيد العرب ضد المقاومة بدلاً من تحرير فلسطين..!

الرسائل الاستراتيجية للجنائز العابرة للحدود
مقالات

الرسائل الاستراتيجية للجنائز العابرة للحدود

هل تُدفع واشنطن إلى مواجهة إيران لإنقاذ معادلة إسرائيلية متآكلة؟
مقالات

هل تُدفع واشنطن إلى مواجهة إيران لإنقاذ معادلة إسرائيلية متآكلة؟

Almaalouma

المعلومة: وكالة اخبارية عامة مستقلة، تتميز بالجرأة والموضوعية والمهنية والتوازن،شعارها، خبر ﻻ يحتاج توثيقا، لدقة وتنوع مصادرها الخاصة وانتشار شبكة مراسليها

الأقسام

  • أخبار
  • مقالات وكتاب
  • فيديوهات
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • منوعات
  • انفوكرافيك

روابط مهمة

  • سياسة الخصوصية
  • من نحن
  • اتصل بنا

تابعونا