جنائز صامتة للعقل .. كيف نغتال المقايضة رسالة الأكاديمي؟!
كتب / د. راجي العوادي...
لم تكن الجامعة في يوم من الأيام مبنىً يحتضن قاعاتٍ دراسية أو مؤسسةً تمنح الشهادات فحسب ، بل كانت الضمير الذي يحرس المجتمع ، والعقل الذي يراجع أخطاءه ، والمرآة التي يرى فيها مستقبله, ومن بين جدرانها خرجت الأفكار التي صنعت نهضات الأمم ، وقاد أساتذتها معارك الوعي قبل أن تخوض الشعوب معارك السياسة والاقتصاد. لذلك ، لم يكن الأكاديمي موظفًا في جهاز الدولة ، بل صاحب رسالة ، وشاهدًا على الحقيقة ، وحارسًا للقيم التي لا يجوز أن تخضع للمساومة.
غير أن المشهد اليوم يبعث على الأسى , فقد تسللت السياسة إلى الحرم الجامعي لا بوصفها موضوعًا للدراسة والنقد ، وإنما بوصفها سلطةً تُعيد تشكيل الجامعة على صورتها, ومع هذا التسلل ، بدأت رسالة الأكاديمي تنكمش شيئًا فشيئًا ، حتى وجدنا أنفسنا أمام جامعات تتراجع فيها قيمة المعرفة لصالح الولاء ، وتُقاس فيها المكانة العلمية بميزان النفوذ أكثر مما تُقاس بحجم الإنجاز والإبداع.
لقد اكتشفت السلطة ، في كثير من المجتمعات ، أن إخضاع الجامعة أقل كلفة من مواجهة العقل الحر, فإذا خضع الأستاذ ، خضع الطالب ، وإذا صمت الباحث ، خمدت أسئلة المجتمع, ومن هنا بدأت صناعة الأكاديمي المطيع ، الذي يتقن فن الصمت أكثر مما يتقن فن السؤال ، ويحسب كلفة الكلمة قبل أن ينطق بها ، ويزن الحقيقة بميزان المصلحة.
إن أخطر أشكال الفساد ليس ذلك الذي يسرق المال العام ، وإنما ذلك الذي يسرق الضمير , فالفساد المالي يمكن تعويض خسائره ، أما فساد النخبة فإنه يبدد مستقبل أمة بأكملها , وعندما يصبح الأكاديمي أسيرًا لراتبه ، أو طامعًا في منصب ، أو خائفًا من قرار إداري ، فإن استقلاله الفكري يبدأ بالتآكل ، حتى يغدو الدفاع عن الحقيقة مخاطرة لا يجرؤ عليها إلا القليل.
وهكذا تتحول الجامعة ، بهدوء ، من فضاءٍ لإنتاج المعرفة إلى مؤسسة لإعادة إنتاج الخضوع , ويصبح الصمت فضيلة ، والمجاملة حكمة، والتبرير نوعًا من الواقعية ، بينما يُنظر إلى النقد بوصفه تهورًا، وإلى الاستقلال الفكري بوصفه خروجًا على المألوف , لكن المأساة لا تقف عند حدود الأستاذ الجامعي ، بل تمتد إلى الطالب الذي يدخل الجامعة باحثًا عن المعرفة ، فيجد نفسه يتعلم درسًا آخر لا تذكره المناهج , يرى أن الطريق إلى النجاح قد لا يمر عبر البحث والجد والاجتهاد ، بل عبر شبكة العلاقات والولاءات والمصالح , وعندما تتكرر هذه المشاهد أمامه ، تنهار صورة الأستاذ بوصفه قدوة ، ويترسخ في وعيه أن المبادئ ليست إلا شعارات جميلة تصلح للخطب ، أما الواقع فيحكمه منطق المقايضة.
وهكذا لا تُغتال الأخلاق دفعةً واحدة ، بل تموت بالتقسيط , يبدأ الأمر بصمتٍ صغير، ثم بتنازلٍ محدود ، ثم بتبريرٍ مؤقت ، حتى يصبح الانحراف قاعدة ، والاستقامة استثناءً يحتاج إلى شجاعة نادرة.
لقد نجحت منظومات الفساد في تفتيت النخب قبل أن تسيطر على المؤسسات , فأشغلت الأكاديميين بصراعات المناصب ، واستنزفتهم في معارك اللجان والترقيات ، ودفعتهم إلى التنافس على الامتيازات بدلاً من التنافس على إنتاج المعرفة, وهكذا تحولت الجامعات في بعض الأحيان، إلى فضاءات للصراع الشخصي ، بينما تراجعت رسالتها التاريخية في قيادة الوعي وصناعة المستقبل , ولا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح ما لم يبدأ بتحرير الجامعة من كل أشكال الوصاية, فالجامعة التي تخضع للحسابات السياسية لا تستطيع أن تنتج عقلًا مستقلًا ، والأستاذ الذي يخشى على موقعه لن يربي جيلًا يؤمن بحرية الفكر، والبحث العلمي الذي يُكافأ بالولاء لا بالتميز لن يصنع نهضة ، مهما تضاعفت أعداد الجامعات أو ارتفعت ميزانياتها.
إن الأمم لا تُقاس بعدد مبانيها الجامعية ، بل بمقدار الحرية التي يتمتع بها أساتذتها ، وبالقدرة التي يمتلكها باحثوها على قول الحقيقة دون خوف، وبالمسافة التي تفصل المعرفة عن السلطة, فحين تضيق هذه المسافة إلى حد الذوبان ، تفقد الجامعة معناها ، ويتحول التعليم العالي إلى إدارةٍ بيروقراطية تُنتج شهادات أكثر مما تُنتج عقولًا.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس انهيار اقتصاده أو تراجع مؤسساته ، بل أن يفقد ثقته بعقله, وعندما تصبح الجامعة جزءًا من أزمة المجتمع بدل أن تكون أداةً لحلها، فإننا لا نكون أمام أزمة تعليم ، بل أمام أزمة حضارة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع هو: من يعيد إلى الجامعة رسالتها؟ ومن يحرر الأكاديمي من خوفه ، حتى يستعيد حقه في أن يكون ضميرًا للأمة لا شاهدًا صامتًا على انكساراتها؟
فالجامعة التي تموت فيها حرية الفكر ، لا تشيع جنازة مؤسسة تعليمية فحسب ، بل تشيع جنازة العقل ذاته.