لماذا تأخر طريق التنمية؟!
كتب / محمد شريف أبو ميسم
في عام 2004، أعلن وزير النقل في حكومة أياد علاوي، عن نية العراق إقامة مشروع «ميناء البصرة الكبير» الذي تحول فيما بعد إلى مسمى «ميناء الفاو الكبير»، وقيل إن هذا المشروع سيرتبط بمشروع آخر سمي في حينه «مشروع القناة الجافة»، ثم تحول لاحقاً إلى مسمى «طريق التنمية». وقيل إن ميناء البصرة الكبير والقناة الجافة، سيحولان العراق إلى ورشة عمل تبتلع الأيدي العاملة العراقية، لا بل سيحتاج العراق إلى المزيد من الأيدي العاملة، وأن هذين المشروعين المتلازمين سيغيران شكل الخريطة التجارية الدولية، وسيدرّان على العراق موارد مالية تفوق الإيرادات النفطية.
ولكن معطيات “صدمة التحول” من شكل النظام الشمولي إلى نظام ديموقراطي تعددي يعمل باقتصاد سوق منفلت، التي سحبت خلفها سلسلة طويلة من الأزمات جرّاء الإرباكات السياسية والتدخلات الخارجية وما رافقتها من ظروف أمنية، مع تعاقب التذبذبات السعرية في أسواق النفط العالمية التي أثرت في معدل الإيرادات النفطية التي تموُّل الموازنة العامة، حالت دون ذلك (على ما يبدو).
ومع استمرار محاولات الحكومات المتعاقبة في وضع الخطط الخاصة بتنفيذ هذين المشروعين الكبيرين، كانت ثمة إجراءات تنفيذية قد أخذت طريقها إلى أرض الواقع، ولكنها بقيت بطيئة بعض الشيء لأسباب مبهمة، وفي حينها كتبنا في الصفحة الاقتصادية لجريدة الصباح، أن مثل هذه المشاريع ذات الصفة الدولية، لا يمكن لها أن تكون مشاريع دولة، لأنها ذات طابع إستراتيجي متعلق بحركة التجارة الدولية وبعمل شركات العولمة، في ظل تحول واضح في شكل النظام الاقتصادي في العراق نحو نظام اقتصاد سوق ليبرالي، ولكن الاشتباك الناجم عن “صدمة التحول” سبب خلطاً واضحاً بين مفهومي بناء الدولة (بحسب الموروث الأوامري للدولة الشمولية) وبين تداعيات حالة التكيف مع نظام اقتصاد السوق، وهذا الخلط بقي قائماً حتى اللحظة، حيث الحلقات الإجرائية المتبعة في ولادة مشاريع الدولة، والتي تتقاطع مع توجهات رساميل العولمة التي تنظر لهذه المشاريع من نافذة الشراكة التي تطل على بيئات الأعمال بهدف الهيمنة وفق الرؤية الليبرالية التي تدفع سلطة الرساميل لتحل محلَّ سلطة الدولة.
وفي ظل محاولات فك الاشتباك بين هاتين الرؤيتين، وتحديداً في عمر الحكومة السابقة، تقدم العمل نسبياً في مشروع الميناء وطريق التنمية، ولكن بيئة الأعمال وعلى ما يبدو لم تكن قادرة على احتواء المتغير في ظل التناقضات الإجرائية، فتباطأ العمل بشكل ملحوظ، حتى تفاجأنا مؤخراً بإعلان صادر عن أنقرة والرياض، بشأن اتفاق مبدئي على إقامة ممر تجاري مشابه يربط السعودية بتركيا مروراً بالأردن وسوريا نحو أوروبا، ومن المؤكد أن هذا المشروع سيتم العمل به بعيداً عن العراق وبسرعة إنجاز أكبر، على الرغم من أنه لا يمتلك عناصر القوة التي تمنحها المسافة الأقصر في المشروع العراقي، ولكن النتائج على الأرض وسرعة الإنجاز ستكون لهما الكلمة الفصل في جذب الشركات والرساميل تحت إشراف من يريد تحقيق الربحية والمنفعة في زمن البحث عن الفرص