الانتحار ليس من الحلول وهو فعل يناقض العقل والدين
كتب / د. باسل عباس خضير ….
الانتحار ( Suicide ) كلمة ثقيلة ومؤلمة تقترن بفعل إنهاء الحياة ، وهو سلوك مأساوي يمكن أن يحدث في لحظة يأس او بعد معاناة يصل فيها الإنسان إلى قناعة ( خاطئة ) بأن "إنهاء الحياة" هو الحل الوحيد للألم ، وهو فعل يناقض العقل ، فالعقل يقوم على المنطق والإرادة وحل المشكلات ، والانتحار يسبب الضرر وأول ضحاياه الفرد نفسه عندما يخسر حياته ، ولا يقتصر أثر الانتحار على الشخص الذي يفقد حياته ، بل يمتد إلى أسرته وأصدقائه والمجتمع ، لما يسببه من صدمة نفسية وخسائر اجتماعية واقتصادية ، لذلك توصي معظم الدول بأهمية الوقاية من الانتحار بوصفها مسؤولية مشتركة بين مجموعة من الإطراف ، وتشير الدراسات إلى أن معظم حالات الانتحار ترتبط بمزيج من الاضطرابات النفسية ، مثل الاكتئاب والقلق والإدمان ، إلى جانب الضغوط الاقتصادية ، والبطالة ، والتفكك الأسري ، والعنف ، والأزمات الشخصية ، والشعور بفقدان الأمل ، و كل الأديان السماوية اتفقت على نبذ الانتحار وبأن الحياة أمانة ، وفي الإسلام حرم القرآن الكريم الانتحار بشكل قاطع واعتبره من أعظم الكبائر ، وقال الله تعالى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً } [النساء: 29] ، وتوعد فاعله بالعذاب الأليم : { وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً } [النساء: 30] ، وفي الحديث النبوي الشريف ، قال النبي ﷺ: (( ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم )) .
و بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية ، فان معدلات الانتحار في العراق أقل من المعدل العالمي ومن معدل منطقة الشرق الأوسط عموماً ، فالمعدل العالمي للانتحار حسب آخر بيانات WHO ، يبلغ ( 8.9 ) حالة وفاة لكل 100,000 من السكان ، أما المعدل في العراق فانه ( 6.22 ) حالة وفاة لكل 100,000 ، ويقع العراق بالمرتبة ( 138 ) عالمياً من حيث المعدل ، وان ذكر هذه الأرقام لا يعفي من المسؤولية الأخلاقية في حماية الأفراد من هذه الظاهرة السلبية التي تؤثر على المشاعر و النفوس من قريب او بعيد ، لأنها لم تحل بعد وقد ارتفعت في بلدنا خلال آخر 10 سنوات ، وحسب بيان رسمي ( اللواء مدير دائرة العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية ) ، فان الستة أشهر من عام 2026 شهدت ارتفاعا ملحوظا بحالات الانتحار إذ سجلت 617 حالة ، وتلك المسالة لا يكفي لحلها إجراءا قانونيا ، لان المشرع عاقب على فعل الإسهام في الانتحار ، فقد جعل من التحريض او المساعدة عليه جريمة وفق أحكام المادة 408/1 من قانون العقوبات ، التي نصت ( يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات من حرض شخص او ساعده بأي وسيلة على الانتحار إذا تم الانتحار بناء على ذلك ، وتكون العقوبة الحبس إذا لم يتم الانتحار ولكن شرع فيه ) .
ولا تكمن خطورة الانتحار في العراق في حجم الأرقام وحدها ، بل في دلالاتها الاجتماعية والنفسية ، فكل حالة انتحار تمثل فشلاً جماعياً في منظومة الحماية الأسرية والتعليمية والصحية والاقتصادية ، وحتى إذا بقي المعدل العراقي أقل من المعدلات العالمية ، فإن تزايد تداول هذه الحوادث خصوصاً بين الشباب يستدعي التعامل معها كقضية وطنية ، مع الأخذ بعين الاعتبار التحديات تواجه التصدي لها والحؤول دون حدوثها ، فلا يزال الحديث عن الصحة النفسية ضعيف ، لان البعض يتحاشى الاستعانة بطبيب نفسي خوف من "كلام الناس" وهذا يجعل المشكلة تكبر بالسكوت ، والطب النفسي ليس سهل المنال لعدم توافره بكل مكان في القطاع العام وارتفاع أجوره ومتطلباته في الخاص ، والقضية تحل بالمعالجة التي تأتي من خلال إجراءات وقائية فاعلة ومؤثرة للفئات الأكثر عرضة من كلا الجنسين وبالذات ، ( الشباب بعمر 15-29 ، النازحون ، البطالة ، صدمات العنف و الحروب ، والأشخاص الذين تعرضوا لصدمات اجتماعية مثل موت احد الأبوين او الطلاق او الخيانة ، الفشل في الدراسة او الحصول على فرص في الحياة ) ، ومن المؤكد ، فإن وجود أسرة داعمة من العوامل المهمة التي تقلل من خطر الانتحار ، والعائلة عليها أن لا تركز على ما تعطيه للفرد ، وإنما مراقبة سلوكه بشكل دقيق بالتعرف على ما يفكر به والأصدقاء والالتزام بمعايير الأخلاق .
والقضية لا تحل من خلال افتراضات وأمنيات ، وإنما بإسهام الجميع بترقية ودعم ثقة الفرد بنفسه وإشعاره بأن من حقه أن يبلغ ما يريد بالجد والعمل والمشروعية والاجتهاد ، وإقناعه بأنه ليس كل ما يتمناه الإنسان يناله بمحاولة واحدة وإنما بسلسلة محاولات تجعله في حالة تحدي لبلوغ سلم الحاجات ، وان تلك الأمور تحل من خلال التحلي بالبر والإيمان والعمل الجمعي ، والفشل والإحباط من الأمور المتوقعة ، ولكنهما ليسا نهاية المطاف ، وان الأمل يقضي على اليأس وان الحياة يجب أن تمضي و لا يمكن أن تنتهي كيفما نشاء وإنما بما قدر لها من الله ، والمدرسة والجامعة والمنظمات عموما يجب أن تكون داعمة وتتبنى لهذه التوجهات من خلال برامج كفوءة تعني بالثقة والنجاح ، ولكل فعاليات المجتمع من المؤسسات الدينية والاجتماعية والصحية حسب النوع ، أدوارا في ثقافة الحفاظ على الحياة ومنع الانتحار لأدنى الحالات .