احتلال أرصفة الشوارع في بغداد .. تجاوز أم فساد ؟!
;كتب / باسل عباس خضير
القضية ليست وليدة اليوم ، بل بدأت منذ سنوات وتزداد تفاقما يوما بعد يوم ، فالكثير من أرصفة شوارع بغداد محتلة بالفعل ، من قبل أصحاب المطاعم والمحلات والبسطيات بشكل لا يمكن فيه التفريق بين الشارع والرصيف ، ويضاعف البعض ذلك بحجز الجهة المقابلة له من الشارع ويجعلها من المحرمات ، بوضع المصدات بمختلف الأشكال التي تعيق وقوف السيارات ، فينتقل أثرها على المشاة في صعوبة سيرهم على أطراف الشارع بجانب الأرصفة التي تحول جزء ا منها إلى مطاعم ومقاهي وكافيهات وعارضات لترويج المبيعات واستخدامات أخرى متنوعة الأنواع والأشكال ، والأرصفة تحولت أما إلى امتداد للمحلات او بديلا عنها ، بحيث إن كثيرا من المحلات باتت تستخدم الأرصفة أكثر من مكانها صباحا ومساء ، وتلك المشاهد باتت مألوفة ومنتشرة في اغلب مناطق بغداد ، وتحولت من المناطق المعروفة في الكرادة والمنصور والحارثية وزيونة وشارع فلسطين وغيرها ،إلى المناطق الشعبية في مدن الصدر والحرية وباب المعظم ، أما المناطق المزدحمة مثل الكاظمية والاعظمية وشارع الرشيد وباب الشرقي وباب المعظم وشارع فلسطين ، فان الوصف فيها يعجز عن ذكر ما تتضمنه من مهازل وتجاوز ومضايقات .
ولان الرصيف ليس مجرد مساحة إسمنتية بل هو ملك عام مخصص للمشاة ، واحتلاله يحرم المواطن من حقه في التنقل الآمن ، ويعكس مستوى احترام القانون وإدارة المدينة ، فمن حق المواطن أن يسال هل إن ما يحصل هو تجاوز فردي يعبر عن ممارسة خاطئة أم انه يؤشر لفساد مؤسسي ؟ ، وكلا الأمرين غاية في الخطورة ، لأنه يسلب الحقوق ويعبر عن مخالفة القوانين والتعليمات ، فكل ذلك يتم تحت النظر وأمام أنظار أمانة بغداد التي من مسؤوليتها الرئيسة الحفاظ على نظافة وجمالية وتنظيم العاصمة بغداد ، فالأمانة لها موازنة مالية ضخمة وإيرادات ، وتملك ( 15 ) دائرة بلدية منتشرة في أنحاء العاصمة ، وهي من الدوائر المختصة ويعمل فيها الآلاف من الموظفين ، بعضهم يعملون في مجال الكشف والتفتيش ورصد المخالفات ، ولهم الصلاحيات الإدارية والقانونية في فرض العقوبات بمختلف المستويات ، من الإنذار إلى الغرامة والغلق والإحالة إلى القضاء ، ويعاونهم في أداء مهامهم أفراد من قوى الأمن الداخلي بمختلف الرتب والمستويات ، وفي ظل توفر تلك الإمكانات وبقاء التجاوز على الأرصفة ، فان الموضوع لايزال يتحمل مزيدا من التساؤلات عن إسرار استمرار هذه الظواهر وتفشيها وعدم المعالجة لها اليوم و منذ سنوات ، فالحلول المؤقتة بالغرامة والإنذار لم تعد تجدي لما يحصل في أرجاء بغداد . والمشكلة لم تعد تقتصر على التجاوز ، بل قد تتحول إلى مؤشر عن خلل إداري وشبهات فساد في تطبيق القانون .
والمسالة المطروحة لها مجموعة من الأبعاد ، أولها الأبعاد الاقتصادية ، التي تعني نزيف للموارد بهدر الاستثمار الحكومي ، فالرصيف من البنى التحتية و أنشا من المال العام بميزانية أمانة بغداد وليس بأموال أصحاب التجاوزات ، كما إن ذلك يفرض منافسة غير عادلة ، لان المحل الذي يستغل الرصيف يربح مساحة مجانية بدون إيجار وضرائب و يقتل المحل الملتزم بالقانون ، والتجاوز يشجع اقتصاد الظل ، فأغلب البسطيات بدون تسجيل ضريبي ولا ضمان ولا التزامات ، ويمكن أن تضيف التجاوزات كلفة عن الحوادث ، لان نزول الناس للشارع يسبب دهس وإصابات وتتطلب علاج وتعويضات جزء منها تتحملها الدولة ، والتجاوزات في كل الأحوال ، تؤدي إلى طرد الاستثمار والسياحة ، فالمستثمر والسائح لا يخاطر في مدينة فوضوية ، والقاعدة المعروفة إن المدن النظيفة تجذب المال النظيف ، ومن حيث الأبعاد الحضارية ، فانه يمثل تشويه لهوية بغداد وسرقة لحق الفئات الضعيفة ، لان الرصيف وجد للطفل و كبار السن و ذوي الإعاقة و احتلاله يعني إقصاءهم منه ، وهو يشكل موت للذاكرة البصرية لان بغداد كانت معروفة بالأرصفة الواسعة والأشجار وتحولت اليوم إلى سوق عشوائي ضاعت فيه هيبة العاصمة ، ومن بعد آخر فان تلك الأمور تحفز على تطبيع الفوضى ، فعندما يتكرر التجاوز يومياً ويتم السكوت عنه فكأننا نعلم الأجيال أن “القوي يأكل الضعيف” ، وما نخشاه فعلا أن يتحول التجاوز الذي لا يعالج لعرف ، والعرف الفاسد أخطر من القانون .
إن تنظيم الأرصفة والشوارع وترك المساحات المناسبة لتجوال الأفراد وقضاء حاجاتهم في التنزه او التسوق او المرور ، ليس القصد منه قطع أرزاق الناس ، وإنما إعادة الأمور لنصابها المطلوب ، وذلك يتطلب مضاعفة الجهد من أمانة بغداد لتنفيذ واجباتها في المعالجات ، مع الحرص على الفحص المستمر لمنظوماتها من الاختراق والضغوط والفساد ، والاستفادة من تجارب الدول الأخرى ، فالقاهرة انشإت أسواق بديلة و عمان طبقت غرامات صارمة و دبي صفرت التسامح مع المخالفين ، وفي سبيل التعجيل في الحلول فقد نحتاج لحملة ( الرصيف حقي ) ، والى غرامات فورية و سحب إجازة المحل وتفعيل دور المواطن في مقاطعة المحلات المحتلة للرصيف ، فالرصيف ليس ملك لأي كان ، وليس من غنائم الفاسدين الذي وجدوا تجارة من الرصيف ، و الرصيف عقد بين الدولة والمواطن ، ولنتذكر دوما إن بغداد بلا أرصفة فإنها مدينة بلا هوية ولا محتوى ولا جمال .