السلف دون معالجات… بوابة للفساد في المؤسسات !!
كتب / باسل عباس خضير
تُعد السلف في الوحدات الحسابية ، حساباً ( مدينا ) ً يستخدم لصرف مبالغ مالية بصورة مؤقتة لإنجاز غرض محدد ، على أن تتم تسويتها خلال مدة زمنية معلومة بموجب المستندات المؤيدة ، ويتم إغلاقها وتسويتها محاسبياً إما بقيدها مصرف نهائي أو بإعادة المبالغ غير المصروفة أي المتبقي منها ، وتُعد السلف من الحسابات التي أجازها النظام المحاسبي الموحد وفق معايير المحاسبة والإبلاغ المالي الدولية المطبق حالياً في العراق ، كما أجازت المادة ( 13/ثانياً ) من قانون الإدارة المالية رقم (6) لسنة 2019 استخدامها في حال تأخر إقرار الموازنة العامة ، بهدف ضمان استمرار الصرف على المشاريع الاستثمارية المستمرة استناداً لذرعات العمل المنجزة أو التجهيز الفعلي للمشروع ، بعد التأكد من توافر السيولة النقدية والتخصيصات ضمن مشروع قانون الموازنة النافذ و للسنة اللاحقة .
ورغم مشروعية استخدام السلف عند الضرورة ، ووفقاً لطبيعة نشاط الجهة الحكومية ، فإن الحرص على معالجتها وتسويتها في مواعيدها المحددة يعد أمراً أساسياً ، لأن تراكمها يفقدها صفتها المؤقتة ، ويحولها إلى أموال خارج الرقابة الفعلية ، ويؤدي ذلك إلى تجميد جزء من المال العام ، ويصعب إعداد الحسابات الختامية بدقة ، ويضلل التقارير المالية ، فضلاً عن أنه قد يفتح الباب أمام الاختلاس والتلاعب بالمستندات ، أو تحميل سنوات مالية لاحقة نفقات لا تخصها ، وتعود أسباب تأخر إجراء التسويات إلى ( ضعف الرقابة ، وتهاون الإدارات ، وتأخر إنجاز الأعمال ، أو التعمد في إبقاء السلف مفتوحة ) ، ويذهب بعض المختصين في المحاسبة والتدقيق إلى وصف حسابات السلف والأمانات بأنها واحدة من أكثر الحسابات حساسية ، لما تتطلبه من متابعة مستمرة حتى إتمام التسويات ، ولكونها تتأثر بكفاءة الإدارات وتغيير المسؤولين ، فإنها يمكن أن تتعرض للتساهل بحجة التعجيل في إغلاق القيود المحاسبية ، لذلك فإن تراكمها رغم المتابعة ، يمثل عبئاً كبيراً على أجهزة الرقابة المالية ، وفي هذا السياق ، صرح السيد رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي في تموز 2026 ، بأن هناك نحو (100) تريليون دينار عراقي صُرفت كسلف منذ عام 2004 إلى شخصيات وجهات مختلفة ، ولم تتم استعادتها أو تسويتها حتى الآن ، كما تناولت المحكمة الاتحادية العليا هذا الموضوع في قرارها المرقم ( 170 / اتحادية / 2022 ) ، إذ أكدت عدم جواز استخدام حساب السلف للصرف على أي غرض ما لم يتوافر التخصيص اللازم في الموازنة ، كما شددت على عدم جواز اتخاذ مجلس الوزراء قرارات تثقل الخزينة العامة بأعباء مالية بالمخالفة لقانون الموازنة وقانون الإدارة المالية .
وتعود أسباب تراكم السلف وعدم معالجتها إلى عوامل عدة ، أبرزها طبيعة إعداد الموازنة الاتحادية من قبل وزارتي المالية والتخطيط ، إذ ما تزال تعتمد في الغالب على موازنة الأبواب مع تكرار الأسلوب ذاته من سنة إلى أخرى ، باستثناء تغيير الأرقام ، في حين أن كثيراً من الدول انتقلت منذ سنوات إلى موازنات البرامج ، أو المشاريع ، أو الموازنة الصفرية ، أو موازنة الأهداف ، وغيرها من الأساليب الحديثة ، أما السبب الثاني فيتمثل في اتساع مساحة الاستثناءات التي تمنحها مراكز اتخاذ القرار استجابة لظروف مختلفة ، وغالباً ما تتم تغطية آثارها المالية عن طريق السلف ، ويرتبط السبب الثالث بمسالة التأخر المزمن في إعداد ومصادقة الحسابات الختامية للدولة ، فالمحاسبة المبكرة بعد انتهاء السنة المالية كفيلة بتشخيص مواطن الخلل ، والإسراع في إجراءات التسوية ، ومساءلة المقصرين ، ويكفي أن الحسابات الختامية لسنوات عديدة ما تزال من دون مصادقة حتى اليوم ، ويضاف إلى ذلك غياب الموازنة الاتحادية في بعض السنوات ، ومنها موازنتي العام الماضي 2025 وموازنة 2026 ، الأمر الذي يوسع دائرة الاجتهاد والاستثناءات ، فضلاً عن ضعف الالتزام بمبدأ إبراء الذمم المالية لشاغلي المناصب والدرجات الوظيفية، رغم أهمية هذا الإجراء في كشف الالتزامات المالية المترتبة عليهم ، كما لا يمكن إغفال ضعف كفاءة بعض الأجهزة المالية والرقابية ، وعدم استثمار خريجي تخصصات المحاسبة والتدقيق والرقابة المالية في تطوير الأداء المؤسسي .
إن السلف ستبقى إحدى أهم بوابات هدر المال العام والفساد ما لم تُعتمد منهجية إصلاح متكاملة تبدأ بإعادة النظر في أسلوب إعداد الموازنة الاتحادية ، وهي فرصة ينبغي استثمارها عند إعداد موازنة عام 2027، بعد التأكد من عدم صدور موازنة عام 2026 ، كما ينبغي تقليص الاستثناءات إلى أضيق الحدود ، ومنع فتح حسابات تبقى معلقة لسنوات دون تسوية ، ومن الضروري أيضاً إدراك أن الاعتماد على الرقابة البعدية التي يمارسها ديوان الرقابة المالية الاتحادي ، على أهميتها ، لا يكفي لمعالجة هذه المشكلة ، بل إن وجود كوادر متخصصة في الحسابات والتدقيق تمارس الرقابة السابقة والمرافقة للصرف يمثل حلاً عملياً وفعالاً ، ولا سيما في بيئة تعاني من تحديات الفساد ، كما أن منح الأولوية في التعيينات الحكومية ينبغي أن يشمل خريجي تخصصات المحاسبة والرقابة والتدقيق ، لما لهم من دور أساسي في إدارة وتنظيم المال العام ، وتبقى المعالجة الجذرية رهناً بالإسراع في مصادقة الحسابات الختامية ، والتطبيق الجاد لمبدأ إبراء الذمم المالية في جميع مستويات الدولة ، وبات من الضروري إدراج المخالفات المتعلقة بإهمال السلف أو استغلالها ضمن القضايا التي تُحال إلى هيئة النزاهة والسلطة القضائية ، ضماناً للمساءلة وحمايةً المال العام .