العراق: “الساحة الرخيصة” لتصفية حسابات الأقوياء
;كتب / راجي سلطان الزهيري
لم تعد الدماء والسقف المستباح في العراق مجرد خبر عاجل نترقبه على الشاشات، بل أصل قاعدة سياسية ثابتة: “من يملك القوة يفرض شروطه، ومن يرتضي الضعف يتلقى الضربات”. الضربات الأخيرة التي طالت مقرات ومدناً عراقية بحجة الرد على استهداف المنشآت النفطية—والتي لم تتبنَّها أي جهة رسمياً—تضعنا أمام الحقيقة العارية التي نتهرب جميعاً من مواجهتها: العراق بات الساحة الأكثر رخصاً لتصفية الحسابات الإقليمية.
بعيداً عن الشعارات الخطابية وتضليل الرأي العام، ينبغي أن نسمي الأشياء بمسمياتها؛ السياسة الدولية لا تعترف بالحقوق الأخلاقية ولا بـ “حسن الجوار”، بل بخسائر الردع وموازين القوة. القوى الإقليمية المتصارعة تعي تماماً كلفة تصدير الأزمات إلى خصومها الأقوياء، وتدرك حجم الردع الذي يمنعها من شل مراكز القرار لديهم. لذلك، تتجه البوصلة العسكرية دائماً نحو الساحة الأقل كلفة والأكثر هشاشة: العراق.
إن التباكي على “ماضٍ تليد” كان فيه العراق مهاباً لم يعد سوى مخدر عاطفي يهرب به العاجزون عن مواجهة الحاضر. الحقيقة القاسية التي يتوجب علينا تجرعها والاعتراف بها بلا خجل، هي أن البلد بات مفلساً عسكرياً وسياسياً ومكشوفاً أمنياً حتى النخاع.
كيف لدولة أن تتحدث عن السيادة بينما تتحرك استخبارات العالم وعلى رأسها أجهزة ومجندون أجانب وإسرائيليون، بكراديسهم وعدساتهم في أزقة المحافظات بكل حرية؟ وكيف لنظام سياسي أن يدعي السيطرة وهو آخر من يعلم عن القواعد والتحركات الأجنبية داخل أراضيه، بينما أجوائه مسرح مشاع لمن شاء ومتى شاء؟
إن دماء الشهداء والضحايا لن تصونها بيانات الاستنكار الفارغة ولا لجان التحقيق التي وُلدت ميتة. إن السقوط الحقيقي ليس في استقبال الضربات، بل في الإصرار على العيش في وهم ” الدولة ” بينما الواقع يؤكد أنها مجرد ساحة مفتوحة لتلقي الرسائل الدموية. إذا لم نستفق من غيبوبة الإنكار ونعترف بضعفنا الهيكلي لبناء ردع حقيقي، فسنبقى مجرد رقم في قائمة الخسائر الجانبية لصراعات الآخرين.