كيف يمكن تقليل البطالة المنتشرة بين صفوف الشباب ؟!
كتب / د. باسل عباس خضير ....
يتميز بلدنا ، بأنه واحدا من بين عشرة دول الأكثر شبابية في العالم من حيث الاعمار ، ووفقا لمصادر دولية ، فإننا في الترتيب السادس عالميا بمعدل عمر يبلغ 22.4 سنة ، واستنادا لعدد السكان الذي يقدر ب ( 48 ) مليون نسمة ، فإننا نمتلك ثروات بشرية هائلة يمكن توظيفها بمختلف القطاعات والأعمال ، وتتميز بالتنوع ومهيأة للعمل و صالحة للتكيف لمختلف الظروف ، فضلا عن امتلاك الرغبات و القدرات ، ونسبة كبيرة منهم متعلمين ومن خريجي الكليات والمعاهد ومراكز التدريب المهني ، فالبلد يمتلك الجامعات الحكومية والأهلية التي يبلغ عددها أكثر من ( 143) ، وهي قادرة على استيعاب كامل مخرجات التعليم الثانوي ، و في بلدنا لا يزال هدف مقعد جامعي لكل خريج إعدادية قائما وساريا منذ عام 1986 دون انقطاع .
والمشكلة التي تواجه الشباب منذ سنوات ، هي عدم قدرة أسواق العمل المحلية من تلبية العرض ، لذا تنتشر البطالة رغم سياسات التوسع في التوظيف التي اتبعتها الحكومات بعد عام 2003 ، وبموجبها بلغ عدد العاملين في الأجهزة الحكومية أكثر من 4.5 مليون ، وحسب مصادر رسمية ، فان عدد العاطلين حاليا يبلغ أكثر من ( 2 ) مليونين ، بعضهم يشكلون عبئا كونهم يتلقون إعانات اجتماعية حكومية بسيطة لتدبر البعض من أساسيات الحياة ، وهناك عاملان مهمان يعيقان التشغيل الكلي للعاطلين ، أولهما محدودية فرص العمل في القطاع الخاص لمحدودية الأعمال والاعتماد على الاستيراد ، في ظل اقتصاد ريعي يعتمد على صادرات النفط في تمويل الإنفاق ، والثاني عدم قدرة الأجهزة الحكومية في توظيف المزيد لأسباب مالية سيما وان الترهل الوظيفي واضحا للعيان ، والبطالة تسبب إضرارا على العاطلين ، سواء بتوفير الاحتياجات والشعور بالذات او في تقادم ما يملكون من معارف ومهارات ، وقد تنتقل آثارها على الأوضاع النفسية والاجتماعية والأمنية .
وقد حاولت بعض الجهات الحكومية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني إيجاد مخرج للموضوع ، ولكن المشكلة تتعاظم يوما بعد يوم لعدة أسباب ، بعضها تعود لنسبة النمو السكاني البالغة 2.5% التي تنتج سنويا أفواجا من العاطلين سواء من الخريجين او الآخرين ، وبعضها تعود للسياسات المتعلقة بالتعامل مع الوافدين الأجانب ، و يشكل عددهم الرسمي( 47 ) ألف وغير الرسمي أكثر من مليون ، والسبب الآخر يرتبط بالبطء في معدل التنمية المستدامة وتتحمل الدولة الحصة الكبيرة من إسهاماتها ولا يتوقع لها النهوض بضوء الازمات المالية التي تتعرض لها البلاد ، ومن مظاهرها العسرة في دفع الرواتب بانتظام ، وهناك أسباب أخرى تتعلق بالبيئة المحلية التي لم تعد جاذبة للاستثمارات الأجنبية إلا في بعض قطاعات الطاقة والتعدين ، واغلبها تسخر العمالة الأجنبية رغم النصوص القانونية التي تفرض أن تكون نسبة منهم من المحليين .
إن التضخم بعدد العاطلين من الزيادة السكانية والخريجين ، يمكن أن يتحول إلى كرة الثلج التي لها العديد من التداعيات إن لم توضع لها الحلول ، والحلول المحلية غير متاحة ، لان الأجهزة الحكومية تسعى لتقليل عدد العاملين بإيقاف التعيين وتشجيع الخروج المبكر للتقاعد ، او منح إجازات طويلة للموظفين بموافقة ومباركة مجلس النواب ، والقطاع الخاص بوضعه الحالي ( او في القريب ) لم يعطي إشارات أمل باستقطاب العدد المتزايد من العاطلين ، وذلك يستدعي إيجاد مخارج وحلول مناسبة ، والمخرج الأفضل هو التشغيل الخارجي المنظم للعاطلين ، من خلال تشكيل او تكليف هيئة تختص بتشغيل ورعاية الشباب الراغبين بالعمل خارج البلاد بعلاقة عقدية نظامية فيها ضمان مستقبلي والتزام ، وعمل الشباب خارج البلاد ليس عيبا كونه واقعيا ، بدليل إن الآلاف من العراقيين يعملون بالعديد من الدول أفرادا او مع العائلات ، ومنظمات الهجرة تشير بان عدد المهاجرين العراقيين يبلغ أكثر من 4 ملايين ، ونسبة كبيرة منهم يتدبرون أمورهم من مردودات الأعمال ، وبعض الدولة تعتبر العمالة العراقية مرغوبة لما يتسمون به من إخلاص وكفاءة وانضباط .
إن اللف والدوران حول فلك ( الوطنية ) والحفاظ على الشباب ، دون استثمار طاقاتهم لا يحل مشكلة البطالة التي قد تنفجر يوما ما ، وهؤلاء لم يجدوا حلا محليا منذ سنوات وعقود ، والشباب لهم احتياجات ورغبات متجددة بمختلف المجالات وكبتهم ليس في صالح الجميع ، وإن زجهم بأعمال خارج البلاد من خلال عقود لعدد من السنوات ، ليس بالفوضى والهجرة غير المشروعة ، بل من خلال مؤسسات رسمية ومهنية ، من الممكن أن يوفر الكثير من الحلول ، أولا للعاطل لأنه إنسان ، وثانيا لإيقاف نزيف الهجرة لما فيها من أخطار ، وثالثا لاقتصاد وسمعة البلاد ، ورابعا لمصلحة البلد الجاذب ، وهي حالة سائدة لدى العديد من البلدان ( الهند ، الفلبين ، مصر ، لبنان ، اليمن .. غيرها ) ، وان قيام هيئة ( عامة او خاصة تكلف بالموضوع ) ، يتطلب حصر عدد الراغبين وتصنيفهم حسب الجنس والعمر والقدرات والخبرات ، و يتم التنسيق مع الدول والمنظمات والمواقع لإيجاد فرص العمل ، وبالذات الدول التي تقدم ضمانات ورواتب للانتقال للعيش فيها ، كونها تعاني من الشيخوخة أو من وجود مدن مهجورة بالكامل ، والعروض متاحة في بلدان عديدة منها ( ايرلندا ، ايطاليا ، تشيلي ، سويسرا ، نيوزلندا ، ألمانيا ، الولايات المتحدة ، كندا ، استراليا ، كوريا ج ) .
وان ضمان النجاح في عملية الحصول على فرص العمل ، ممكن من خلال الإيفاء بالمعايير التي تطلبها الجهات ، وأبرزها السيرة الذاتية المتوافقة مع ( الخبرة والتخصص ، الرغبة بالعمل ، القدرة على الاندماج ، وثائق مثبتة ) ويبع ذلك المقابلات ، وهي أمور يمكن استكمال متطلباتها ، وبالذات اللغة وثقافة البلد ببرامج تدريبية وفعاليات تطويرية يمكن أن تسهم بها الجامعات ومراكز الخبرة والوزارات ، وعملية البحث عن الفرص ممكنة ومتاحة من خلال التنسيق الثنائي بين دول ، او من خلال منظمات العمل المحلية والدولية والمؤسسات المختصة ، او من خلال المواقع التي أسست لهذه الأغراض وهي بالعشرات ، ومنها مثلا مواقع ( Gulf Talent ، إخطبوط ، Bayt ، Laimoon ، Naukri Gulf ، Hays ، Dubbizle ) ، وان قبول فكرة الموضوع ، يمكن أن يتطور لحلول تهدف لتقليل حجم البطالة عند تبنيه من قبل الجهات المعنية بمختلف التخصصات ، ويمكن أغنائه لاحقا بتفاصيل أوسع وأدق .