البيشمركة بين غموض الأعداد وضرورة إعادة الهيكلة الاتحادية
كتب / د. مازن محمد ..
في الدول التي تحترم مؤسساتها العسكرية والأمنية، لا يمكن أن تكون أعداد القوات المسلحة وتركيبتها وتوزيعها مسألة غامضة أو خاضعة للتقديرات المتضاربة ، ومن هنا تبرز قضية قوات البيشمركة في العراق بوصفها ملفاً يحتاج إلى معالجة دستورية ومؤسساتية جادة، بعيداً عن المزايدات السياسية أو الحسابات الحزبية.
المشكلة لا تكمن في وجود قوات البيشمركة بحد ذاته، بل في السؤال الأهم: من يحدد أعدادها؟ ومن يدقق سجلات منتسبيها؟ ولمن تتبع فعلياً في القرار والتمويل والتسليح؟ فغياب الأرقام الدقيقة والمعلنة، أو تضارب التقديرات بشأن حجم القوة الفعلي، يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول الرواتب، والملاك العسكري، والتسليح، وسلسلة القيادة.
إن بناء دولة اتحادية مستقرة يتطلب أن تكون القوات المسلحة خاضعة لقيادة وطنية موحدة، وأن تكون معايير التجنيد والرتب والتمويل والتسليح والانتشار واضحة ومتكافئة في جميع أنحاء البلاد، ولذلك فإن إعادة هيكلة البيشمركة ينبغي ألا تُفهم باعتبارها استهدافاً لمكوّن أو منطقة، وإنما باعتبارها خطوة باتجاه توحيد المؤسسة العسكرية العراقية وإنهاء تعدد مراكز القرار المسلح.
المطلوب ليس إلغاء البيشمركة، وإنما إعادة تنظيمها ضمن منظومة الدفاع الوطني، وفق القانون والدستور، وبسجلات رسمية مدققة وأعداد معروفة، وقيادة عسكرية واضحة، بعيداً عن الانتماءات الحزبية، فالجندي الذي يتقاضى راتبه من الدولة يجب أن تكون مرجعيته العسكرية للدولة، لا لحزب أو تنظيم سياسي.
وقد يكون الطريق الصحيح هو إجراء تدقيق شامل للقوة البشرية والتسليح والملاك، ثم وضع جدول زمني لإعادة الهيكلة والدمج التدريجي ضمن منظومة القوات الاتحادية، مع الحفاظ على حقوق المنتسبين .
إن معرفة عدد أفراد أي قوة عسكرية ليست ترفاً إدارياً، بل أساس من أسس الشفافية والمساءلة. وإذا كانت الدولة لا تعرف على وجه الدقة حجم إحدى تشكيلاتها المسلحة، فكيف يمكنها أن تخطط لموازنتها أو أمنها أو دفاعها الوطني؟
لذلك فإن ملف البيشمركة يحتاج إلى شجاعة سياسية وحوار وطني هادئ، عنوانه واضح: لا إلغاء ولا إقصاء، بل توحيد وهيكلة وشفافية تحت مظلة الدولة الاتحادية ، فالعراق لن يستطيع بناء جيش وطني متماسك ما لم يكن واضحاً من يحمل السلاح باسم الدولة، وكم يبلغ عدده، ومن يتلقى أوامره منه.