حدود وظيفة تفسير الدستور
كتب / إياس الساموك
يتنازع تفسيرَ النصوص التشريعية اتجاهان؛ يقصر الاتجاه الأول التفسيرَ على استظهار معاني النصوص والكشف عنها، في حين يمدّ الاتجاه الآخر نطاقه إلى ما هو أوسع من ذلك، على أساس أن مهمة التفسير في الكشف عن المعاني تظل قاصرة ما لم يمتد أثرها إلى رفع التناقض بين نص وآخر، وإزالة التعارض بينهما، وسدّ النقص، إن وُجد.
ولتفسير النص الدستوري أهمية كبيرة؛ لكون الدستور القانون الأسمى والأعلى في الدولة، إذ يحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها، وينشئ السلطات العامة، ويحدد اختصاصاتها، ويبيّن الحقوق والحريات العامة.
وتزداد أهمية التفسير في تطوير النص الدستوري، ولا سيما في الدساتير التي تكون عملية تعديلها صعبة للغاية، وتشترط استيفاء إجراءات معقدة تجعل الدستور، من الناحية الواقعية، قريباً من الجمود المطلق.
لذلك، عهدت بعض الدساتير بمهمة تفسير نصوصها، بوصفها اختصاصاً مستقلاً، إلى القضاء المختص بالرقابة على دستورية القوانين، بالنظر إلى ارتباط هذه المهمة بطبيعة عمل القضاء الدستوري واختصاصاته.
وينظّم هذا الاختصاص المستقل، عادةً، من خلال بيان الجهات التي لها الحق في تقديم طلب التفسير، وتحديد شروطه الشكلية والموضوعية، وذلك بهدف ضمان عدم خروج عملية التفسير عن إطارها الوظيفي، وانحرافها إلى تحقيق رغبات معينة، أو الاستجابة لتطلعات فقهية أو أكاديمية لا تستند إلى حاجة حقيقية لتفسير النص الدستوري.
وفي جميع الأحوال، يتعين ألا تتحول عملية التفسير إلى مجرد الرد على استفسارات أو الإجابة عن تساؤلات تُطرح تحت عنوان تفسير النص الدستوري.
ذلك أن التفسير عملية فنية دقيقة، لها حدود وضوابط، وتفترض وجود نص تتوافر فيه إحدى مبررات التفسير، كالغموض، أو التعارض، أو القصور، أو عدم المواكبة، أو الاضطراب.
أما تحويل التفسير إلى عملية للإجابة عن الاستفسارات، فإنه يجعله قريباً من المنازعة التي قد يريد مقدم طلب التفسير الوصول من خلالها إلى قرار قضائي بوسيلة أخرى، ودون قيام خصومة قضائية.
لذلك، يتعين على مقدم طلب التفسير أن يحدد النص الدستوري المراد تفسيره تحديداً دقيقاً، وأن يبيّن ما يؤيد الحاجة إلى تفسيره. أما إذا انصرف الطلب إلى طرح أسئلة تتعلق بحالات محتملة قد يطبَّق عليها النص مستقبلاً، فإنه لا يكون منصبّاً على تفسير النص القائم، وإنما على استباق كيفية تطبيقه، وهو ما يخرجه عن نطاق وظيفة التفسير. ومن ثم، يتعين على الجهة المختصة بالتفسير ردّ مثل هذا الطلب، متى كان يستهدف استجلاء موقفها مسبقاً من تطبيق النص على وقائع محتملة قد تكون محلاً لمنازعة قضائية مستقبلية.