هل أصبحت السياسة استمرارا للحرب؟
كتب / د. ادريس هاني
واضح تماما هذا الانقلاب في القاعدة الشهيرة، فلقد بلغ أثر العدوان إلى صميم علم السياسة، حين باتت السياسة على خلاف المطلوب، هي استمرار للحرب بطريقة أخرى.
لقد فقدت الحرب اليوم في الشرق الأوسط والخليج كل روابطها بالقانون الدولي، وتم تقويض الأسس الأخلاقية والقانوية لمفهوم الاتفاقيات. وحين يفقد الاتفاق جدواه ويخلو من أي ضامن يوفر له شروط تحققه، فلن يكون هناك مجال أو أمل في السلم الدولي. وحتى الآن يظهر أن الحرب التي شنها ترامب مؤازرا نتنياهو على المنطقة، هي عاجزة عن الوفاء بأي اتفاق، لأن الهدف هو تحقيق اتفاق استسلام، قائم على إملاء شروط الهزيمة على المنطقة. هذا وقد قامت هذه الحرب أصلا دفاعا عن تحرير الأرض من الاحتلال وتحرير السيادة من الهيمنة؛ اللاعب الأساسي اليوم في معادلة الصراع هو صمود المقاومة، وهذا ما يؤلم قوى الهيمنة والاحتلال.
هدف الاحتلال ومؤازريه هو العودة إلى تصفية القضية الفلسطينية وخرق سياسة – بل وثقافة- التضامن والإسناد. الحرب تهدف إلى عزل الشعب الفلسطيني والاستفراد به في إكمال أجندة الإبادة. فبما أن الأمر وصل إلى حد فرض موقف الإسناد من قبل محور الصمود أمام الاحتلال، كان لابد أن تبلغ الحرب ذروة الشطط. فالامبريالية محشورة اليوم في دفع استحقاق التحالف غير المشروط مع ثكنتها المتقدمة في المنطقة، وهي مستعدة لحرب نووية من أجل تمكين الاحتلال. لكن السيناريو اليوم بات مختلفا، والحرب باتت أكثر جدية من أن تخضع للعبة التلويح بالرعب. إنها حرب من جهة قوى الصمود تعتبر استمرار للشهادة لا استمرارا للسياسة!
تتساءل حتى الآن وبالمقاييس الاستراتيجية: أي معنى لتكرار استهداف إيران عسكريا، بعد العجز عن فرض الاستسلام؟ وقد تبين أن تطور الحرب كشف عن نهاية حسم المعركة بواسطة التدخل؟ وما يبدو من مؤشرات يؤكد على أن لا رجعة في موضوع مضيق هرمز الذي بات جوهر أي اتفاق قادم لخفض التصعيد. وستبوء كل محاولات عزل هرمز من بين الممرات الأساسية للطاقة كما يسوق إعلاميا، فالجغرافيا لا تمنح خيارات أخرى. إذن هي حرب تهدف إلى كسر صمود بلد مصمم على التضحية، شيء غير مفهوم في العقيدة العسكرية الأمريكية.
لقد أسفرت مخرجات الحرب عن تدهور في الوضعية الاقتصادية لدول أنهكها الإنفاق المفرط على الحرب. أدرك المحور المناهض الاحتلال بأنه ولكي تنجح الحلول السياسية لا بد من الصمود، فمن لا يصمد سيكون مصيره الاستسلام. يبدو أن واشنطن تسعى لحسم المعضلة بالالتفاف السياسي عبر الدخول على خط أوكرانيا. ثمة محاولات تناطح محاولات عبثا، قبل أن يعود الأمر إلى المربع الأول، فالقوة “العظمى” لم تفترض يوما أن تستسلم للمعادلات الجديدة والمحتملة في حرب شديدة التعقيدة، وهذا مؤشر آخر على أن واشنطن تراهن على وساطة من موسكو بشأن المسألة الإيرانية؛ فهل يا ترى سنشهد دورا فاعلا لموسكو في الفترة القادمة؟
من جهة اخرى، يستغل الاحتلال بدوره هذه الفجوة التي تسبق الحسم، لتكريس هيمنته وتثبيت مكتسباته على الأرض. تبدو إجراءات ابتلاع الأراضي المحتلة وفرض أمر واقع ماضية على قدم وساق، كما أن العدوان على جنوب لبنان قضية تتجاوز الضغط على المقاومة، بل هي قضية أطماع كلاسيكية سيصل بموجبها الشريط الحدودي الذي رسمه الاحتلال قبل التحرير إلى جنوب الليطاني. هناك حركة لاقتلاع وجود شعب الجنوب، بل تغيير الملامح الطبيعية للأرض. كل هذا يجري تحت أنظار المنتظم الدولي؛ وهي الوضعية التي تفرض سؤالا جوهريا: هل سيكون للنظام الدولي معنى بعد هذه الحرب؟ ومن يضمن هيمنة قوة القانون بدل قانون القوة؟
يقاتل ترامب بعقلية الكوبوي، وهي طريقة تفترض نزاعا بين الرعاة حول الأرض والبقر، وهي طريقة لا تنفع مع بلاد فارس لا قديما ولا حديثا. هو يحارب كمقاول وهم يحاربون كشهداء، وهنا تكمن المفارقة، حيث الحرب هاهنا وفي عرف الحرب الجديدة هي امتداد للشهادة لا للسياسة.
لن تتخلى طهران عن هرمز، سواء بقوة عناد الحرب أو بقوة المبدأ. هذه هي القصة الكاملة لحرب لم يعد ينفع معها التهديد والخراب. لقد كان لهذه الحرب فضل كبير في إظهار الاستبداد المحفوظ في ثنايا الديمقراطية الغربية، لم يقطع الغرب مع أصول الليفياثان، يظهر ذلك أكثر حين تشتعل الحرب، فيظهر القرصان والإمبراطور ويسقط القناع عن الديسكو_قراطية.