مسيّرات بلا توقيع
كتب / نجاح محمد علي
هناك لحظة في الحروب يصبح فيها السؤال عن مسار الصاروخ أو المسيّرة أقل أهمية من السؤال عن المسار السياسي الذي فتحته الضربة.
وهذا بالضبط ما يحدث الآن مع الهجوم الذي استهدف خط أنابيب شرق ـ غرب السعودي.
الرياض تقول إن المسيّرات جاءت من الأراضي العراقية، وبغداد أقرت بأن الهجوم انطلق من أراضيها وفتحت تحقيقاً في الحادث، فيما لم تعلن صنعاء حتى الآن مسؤوليتها عن هذه الضربة تحديداً. لذلك فإن القفز من «مكان الإطلاق» إلى «هوية المنفذ» ثم إلى «صاحب القرار» يحتاج إلى أكثر من تصريح سياسي.
هذه هي ببساطة قصة المسيّرات بلا توقيع.
لكن المفارقة أن الهجوم جاء في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للسعودية. فأنصار الله حققوا تقدماً كبيراً على الساحل الغربي اليمني، وسيطروا على مدينة المخا ومواقع وجزر ذات أهمية استراتيجية قرب باب المندب، بل سيطروا في نهاية المطاف على باب المندب. هذا التقدم وضع واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم تحت ضغط متزايد.
وفي الوقت نفسه، يمثل خط شرق ـ غرب بالنسبة للسعودية طريقاً بالغ الأهمية لتجاوز مضيق هرمز ونقل النفط إلى البحر الأحمر.أي أن الرياض تواجه ضغطاً في أكثر من اتجاه: هرمز، باب المندب، ثم الطريق البري الذي يفترض أن يكون منفذاً بديلاً.
وهنا يصبح استهداف خط شرق ـ غرب أكثر من حادث أمني.
إنه ضربة في المكان الذي يفترض أن يمنح السعودية هامشاً للحركة عندما تضطرب طرق التصدير البحرية.
ترامب قال لا
الأكثر دلالة في هذه القصة ليس فقط ما فعلته المسيّرات، وإنما ما فعلته واشنطن بعد طلب الرياض.
فقد تحدث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع دونالد ترامب مرتين يوم الخميس، طالباً دعماً عسكرياً أميركياً لمواجهة تقدم أنصار الله، لكن ترامب لم يوافق على تنفيذ ضربات أميركية مباشرة ضدهم.
وهنا لا بد من التوقف.
السعودية التي بنت خلال السنوات الماضية جزءاً كبيراً من منظومتها الأمنية على الشراكة مع الولايات المتحدة، وجدت نفسها أمام رئيس أميركي يقول عملياً: هذه حربكم، وليس بالضرورة أن تكون حربنا.
واشنطن عرضت بدلاً من التدخل العسكري المباشر دعماً استخبارياً ومعلوماتياً .
وهذا فارق هائل.
فالحليف الذي يطلب القوة الجوية الأميركية ولا يحصل عليها، يعيد حساباته بالضرورة.
والأكثر إثارة أن ترامب كان في إيرلندا في هذه الأيام، حيث شارك في مناسبات دبلوماسية ومرتبطة بالغولف في منتجعه في دونيغول، بينما كانت التطورات العسكرية تتسارع على الساحل اليمني.
لا يمكن القول إن ترامب رفض طلب الرياض لأنه كان يلعب الغولف. لكن المشهد السياسي يحمل مفارقة لا يمكن تجاهلها: محمد بن سلمان كان يطلب تدخلاً أميركياً عاجلاً، وترامب كان يرفض التدخل المباشر فيما كانت قوات صنعاء تتقدم باتجاه أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وهنا الرسالة الأهم.
أميركا لا تريد بالضرورة أن تخوض كل حرب من أجل حلفائها، حتى لو كانت مصالحها موجودة في المنطقة.
هل تستخدم واشنطن خليج فارس ثم تتركه؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في عواصم مجلس التعاون الخليجي.
الولايات المتحدة تريد قواعد عسكرية، نفوذاً، صفقات سلاح، حماية للممرات البحرية، واصطفافاً سياسياً في مواجهة إيران.
لكن عندما تصبح تكلفة الحرب مرتفعة، تعيد واشنطن تعريف أولوياتها وفقاً لمصالحها المباشرة.
ترامب نفسه قال في سياق حديثه الأخير إن إيران «على الأرجح» تقف وراء الهجوم على خط النفط السعودي، لكنه لم يقدم دليلاً علنياً على ذلك، كما أن هذا الاتهام لا يحسم هوية الجهة التي نفذت الهجوم من الأراضي العراقية.
وهنا تظهر المفارقة.
إذا كانت واشنطن مقتنعة بأن إيران تقف خلف ما يحدث، فلماذا لا تتدخل مباشرة ضد أنصار الله الذين باتوا يضغطون على باب المندب؟
الجواب ربما يكمن في أن ترامب لا يريد فتح جبهة جديدة في الوقت الذي ما زالت فيه الولايات المتحدة عالقة في حرب أكبر مع إيران، وفي الوقت الذي أصبح فيه مضيق هرمز نفسه ورقة ضغط استراتيجية.
لقد اكتشفت دول خليج فارس العربية أن المظلة الأميركية ليست بالضرورة مظلة آلية تعمل بمجرد طلبها، ربما فقط عندما يتعلق الأمر بقتلى أمريكيين.
وفي لحظة كهذه، يبدو فتح الملف العراقي مفيداً سياسياً للرياض: فالسعودية تواجه تراجعاً خطيراً أمام أنصار الله في اليمن، فيما عاد، بالتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لـ11 سبتمبر، ملف العلاقات والصلات السعودية المحتملة بالهجمات إلى الواجهة مع رفع وثائق كانت سرية وعودة المطالبات بالتحقيق. لذلك يمكن قراءة التركيز السعودي المتسارع على «المسيّرات القادمة من العراق» بوصفه محاولة لنقل مركز الاهتمام من أسئلة الهزيمة في اليمن ومن الأسئلة المحرجة التي أعادتها وثائق 11 سبتمبر إلى الواجهة، وتحويل الرياض من موقع الدفاع إلى موقع الضحية التي تطالب الآخرين بالتدخل.
من اليمن إلى العراق
عندما عجزت الرياض عن الحصول على تدخل أميركي مباشر ضد التقدم اليمني، ظهر ملف آخر في الواجهة: العراق.
الهجوم على خط شرق ـ غرب، بحسب الرواية السعودية، انطلق من الأراضي العراقية.
وهذا يضع بغداد أمام معادلة صعبة.
فهي مطالبة من جهة بمنع استخدام أراضيها في ضرب دول الجوار، ومن جهة أخرى تجد نفسها أمام اتهامات يمكن أن تتحول سريعاً إلى ضغط أميركي وإقليمي على الحكومة العراقية وعلى الفصائل المسلحة.
لكن هناك فرقاً بين أن تقول إن المسيّرات انطلقت من العراق، وبين أن تقول إن الحكومة العراقية قررت الهجوم.
وفرق آخر بين وجود منصة إطلاق داخل العراق وبين معرفة الجهة التي أعطت الأمر.
ثم هناك السؤال الأصعب: هل كانت العملية عراقية بالكامل؟ وهل كانت هناك صلة بجبهة اليمن؟ وهل كان هناك تنسيق بين أطراف مختلفة؟
حتى الآن لا توجد إجابة علنية حاسمة عن هذه الأسئلة.
وهذا ما يجعل التحقيق أهم من الاتهام.
عُمان تفتح باباً آخر
في المقابل، تتحرك سلطنة عُمان في الاتجاه المعاكس تماماً.
بدلاً من توسيع دائرة الحرب، هناك تحرك لعقد اجتماع في صلالة، الاثنين، يضم إيران ودولاً خليجية لبحث ترتيبات تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز. التقارير تتحدث عن محاولة التوصل إلى ترتيبات مؤقتة تساعد على تخفيف التوتر وإعادة فتح الطريق أمام الملاحة.
وهنا ينبغي ألا نسبق الأحداث بالقول إن اتفاقاً نهائياً سيُوقع حتماً الاثنين.
لكن مجرد جلوس إيران ودول الخليجي حول طاولة واحدة في عُمان لمناقشة أمن هرمز يحمل دلالة سياسية كبيرة.
فإذا كانت الولايات المتحدة تقول لحلفائها العرب في الخليج، بصورة أو بأخرى، إن عليهم إدارة جزء أكبر من أزماتهم بأنفسهم، فليس غريباً أن تبدأ بعض هذه الدول في البحث عن ترتيبات أمنية مباشرة مع الطرف الآخر، أي إيران.
وهذه ربما تكون أهم نتيجة سياسية للحرب حتى الآن.
أن تتراجع فكرة الأمن الإقليمي الذي يُدار بالكامل من خارج المنطقة، ويبدأ البحث عن أمن تصنعه دول المنطقة نفسها.
مفاجآت ما بعد هرمز
ما يجري في اليمن والعراق وهرمز لا يمكن فصله عن بعضه.
أنصار الله يقتربون من باب المندب.
إيران تمسك بورقة هرمز.
السعودية تبحث عن طرق بديلة.
العراق يجد نفسه تحت ضغط الاتهام.
وأميركا ترفض في هذه اللحظة خوض حرب مباشرة جديدة نيابة عن الرياض.
وفي الخلفية تتحرك عُمان لجمع إيران ودول الخليجي حول طاولة واحدة.
هذه ليست تفاصيل منفصلة.
إنها صورة لنظام إقليمي يعاد تشكيله تحت ضغط الحرب.
ولذلك فإن اجتماع صلالة، إذا نجح في إنتاج تفاهم حقيقي حول أمن هرمز، قد يكون أهم من كثير من البيانات العسكرية التي صدرت خلال الأيام الماضية.
لأن الرسالة ستكون واضحة:
إذا لم تعد واشنطن مستعدة لحماية مصالح حلفائها في كل مواجهة، فعلى دول الخليجي أن تبحث عن ترتيبات أمنية مع جيرانها، ومن بينهم إيران.
أما إذا فشل هذا المسار، فقد تدخل المنطقة مرحلة مختلفة تماماً، حيث تصبح هرمز وباب المندب والعراق جبهات مترابطة، وحيث لا يعود من السهل على أي دولة أن تعرف أين تبدأ الحرب وأين تنتهي.
المسيّرة التي بلا توقيع
لهذا أعود إلى السؤال الأول.
من أطلق المسيّرات؟
لا نملك حتى الآن جواباً نهائياً منشوراً يمكن التعامل معه كحقيقة قاطعة.
لكننا نعرف شيئاً آخر.
نعرف أن السعودية تعرضت للضربة.
ونعرف أن الرياض قالت إن مصدر الإطلاق كان العراق.
ونعرف أن بغداد فتحت تحقيقاً.
ونعرف أن أنصار الله لم تتبنَّ هذه العملية تحديداً.
ونعرف أن ترامب رفض طلباً سعودياً للتدخل العسكري المباشر ضد التقدم اليمني.
ونعرف أن صنعاء حققت تقدماً كبيراً على ساحل البحر الأحمر وبات باب المندب أكثر حساسية.
ونعرف أن إيران ودول مجلس التعاون الخليج تتجه إلى اجتماع في عُمان لمناقشة أمن هرمز.
كل ذلك يقود إلى استنتاج واحد:
المشكلة لم تعد في المسيّرة وحدها، وإنما في النظام الأمني الذي كانت دول المنطقة تعتقد أنه سيحميها عندما تصل الحرب إلى أبوابها.
قد تكتشف السعودية اليوم أن واشنطن حليف عندما تتطابق المصالح، لكنها ليست بالضرورة مستعدة لخوض حرب مفتوحة كلما تعرض حليفها للخطر.
وقد تكتشف دول الخليج الأخرى أن الاعتماد الكامل على القوة الأميركية يحمل مخاطرة، خصوصاً عندما تصبح الحرب متعددة الجبهات.
أما العراق، فعليه أن يعرف أن تحويل أراضيه إلى منصة لأي صراع إقليمي قد يجعله أول الخاسرين، أياً كان الطرف الذي يقف وراء العملية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد «المسيّرات بلا توقيع» ليس فقط:
من أطلقها؟
وإنما:
من يريد أن تبقى المنطقة في حرب مفتوحة، ومن يملك الشجاعة للبحث عن أمن إقليمي لا يحتاج في كل مرة إلى انتظار قرار واشنطن؟
وهنا تحديداً تصبح صلالة أهم من اجتماع دبلوماسي يأتي في ظرف بالغ الخطورة .
لأن المنطقة قد تكون أمام اختبار: إما أن تجد دولها صيغة جديدة للأمن، وإما أن تستمر المفاجآت من هرمز إلى باب المندب، ومن اليمن إلى العراق.